→ العودة للأرشيف
حكم مكتبناالقانون الجزائيJune 24th, 2025

الطعن رقم 1323 لسنة 2024 جزائي االمحكمه الاتجداية العليا / الإساءة الرقمية في مذكرات المحكمة: المحكمة العليا تؤيد الإدانة وتوضح نطاق قانون الجرائم الإلكترونية وحق الدفاع

المحكمة الاتحادية العليا

عندما يتجاوز الدفاع القانوني حدوده: قضية إهانة رقمية تصل إلى المحكمة العليا

في حكم تاريخي يرسم الحدود الفاصلة بين الحق في الدفاع القانوني القوي وجريمة السب الجنائية، أيدت المحكمة الاتحادية العليا إدانة رجل استخدم لغة تشهيرية في مذكرة دفاع قُدمت إلكترونياً. تُعد هذه القضية تذكيراً حاسماً بأن الحماية الممنوحة للمتقاضين لا تمنحهم ترخيصاً للنيل من شرف وسمعة الخصوم، وتؤكد على التطبيق الواسع لقوانين الجرائم الإلكترونية في دولة الإمارات لتشمل أنظمة التواصل الرسمية للمحاكم.

📋 خلفية القضية: نزاع قانوني يأخذ منحى شخصياً

بدأت القصة في خضم معركة قانونية محتدمة بين رجل وامرأة. أثناء سير الإجراءات، قدم الرجل مذكرة دفاع إلى المحكمة. لكن هذه المذكرة تجاوزت الحجج القانونية؛ فقد تضمنت عبارات وإهانات اعتبرتها المرأة بأنها تهدف إلى تشويه سمعتها والمساس بشخصها. وشعوراً منها بالإساءة، تقدمت بشكوى جنائية.

تولت النيابة العامة القضية، ووجهت للرجل في البداية تهمة السب العلني. ومع تقدم التحقيقات، تم تعديل وصف التهمة إلى جريمة أكثر حداثة: السب باستخدام إحدى وسائل تقنية المعلومات، وذلك بموجب أحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية. وكان الأساس لهذا التغيير هو أن المذكرة المسيئة تم تحميلها وتقديمها عبر بوابة التقاضي الإلكترونية الرسمية لوزارة العدل.

⚖️ أحكام المحاكم الأدنى درجة

أدانت محكمة أول درجة الرجل بالتهمة المنسوبة إليه. ورأت المحكمة أن كلماته تجاوزت الحدود المقبولة للدفاع القانوني وشكلت فعلاً إجرامياً. وفي حكم صارم، فرضت عليه غرامة مالية كبيرة قدرها 250,000 درهم. بالإضافة إلى ذلك، تمت إحالة الدعوى المدنية المرتبطة بالمطالبة بالتعويض إلى المحكمة المدنية المختصة.

لم يرتضِ الرجل بالحكم واستأنفه. وفي انتصار جزئي له، قامت محكمة الاستئناف بمراجعة القضية، ورغم أنها أيدت الإدانة من حيث المبدأ، إلا أنها قررت تخفيض العقوبة بشكل كبير. حيث استبدلت المحكمة الغرامة الباهظة بمبلغ أكثر اعتدالاً قدره 10,000 درهم، معتبرة أنها عقوبة أكثر تناسباً مع الفعل. كما رفضت استئنافاً مقابلاً قدمته المجني عليها لعدم جواز نظره. على الرغم من تخفيض الغرامة، ظل الرجل مداناً بارتكاب جريمة إلكترونية، وهي وصمة سعى إلى إزالتها عبر تصعيد القضية إلى أعلى محكمة في البلاد.

🔍 فحص المحكمة العليا: طعن متعدد الأوجه

أمام المحكمة الاتحادية العليا، شن فريق دفاع الرجل هجوماً متعدد الجوانب على حكم الإدانة، مثيراً العديد من الحجج الإجرائية والموضوعية:

  • البطلان الإجرائي: ادعوا أن حكم الاستئناف باطل لأن منطوقه نُشر على الموقع الإلكتروني للنيابة العامة قبل النطق به رسمياً في الجلسة المحددة.

  • التقادم: جادلوا بأن حق المجني عليها في تقديم الشكوى قد سقط بالتقادم، لمرور أكثر من ثلاثة أشهر على علمها المزعوم بالواقعة.

  • حق الدفاع: كان هذا هو حجر الزاوية في طعنهم. حيث أكدوا أن الرجل كان يمارس حقه الدستوري في الدفاع عن نفسه في دعوى أقامتها ضده المجني عليها، وبالتالي فإن أقواله كانت مباحة.

  • الخطأ في التكييف القانوني: زعم الدفاع أن البوابة الإلكترونية لوزارة العدل هي شبكة مغلقة وآمنة لمستخدمين محددين، وليست "وسيلة لتقنية المعلومات" بالمعنى العام الذي يقصده قانون الجرائم الإلكترونية.

  • القصور في الإثبات وانتفاء القصد: أكدوا عدم كفاية الأدلة، مدعين عدم وجود دليل مادي على الجريمة وأن المحكمة فشلت في إثبات القصد الجنائي اللازم، خاصة وأن الطاعن أنكر التهمة باستمرار.

  • عدم عدالة تشديد العقوبة: أخيراً، أشاروا إلى أن أمراً جزائياً أولياً كان قد غرم الرجل مبلغ 2,000 درهم فقط. وقد تضرر من اعتراضه على هذا الأمر، ليواجه عقوبة أشد بكثير أمام المحكمة.

⚡ الرد الحاسم للمحكمة العليا

قامت المحكمة العليا بتحليل كل حجة من حجج الطاعن وتفنيدها بشكل منهجي ومنطقي في حكمها النهائي.

بشأن البطلان الإجرائي: أوضحت المحكمة أن النشر الإلكتروني للحكم هو إجراء إداري بحت. أما الصحة القانونية للحكم فتتوقف على النطق به رسمياً في جلسة علنية وفقاً لما يقتضيه القانون. وبما أن الطاعن لم يجادل في أن الحكم قد تم النطق به حسب الأصول في قاعة المحكمة، فقد تم رفض هذا الدفع لعدم تأثيره على سلامة الحكم.

بشأن حق الدفاع: قدمت المحكمة بياناً قوياً حول حدود الامتياز القانوني. وأكدت أنه على الرغم من أن حرية الدفاع مقدسة، إلا أنها ليست مطلقة. فلا يمكن استخدامها "سيفاً" للنيل من كرامة الخصم أو شرفه. ففي اللحظة التي تتحول فيها مذكرة الدفاع إلى إهانات شخصية وتشهير، فإنها تتجاوز الخط الفاصل بين المرافعة المشروعة والفعل الإجرامي. وخلصت المحكمة إلى أن كلمات الطاعن كانت "تطاولاً قولياً" يبطل أي ادعاء بالإباحة القانونية.

بشأن تعريف الجريمة الإلكترونية: رفضت المحكمة التفسير الضيق لمصطلح "وسائل تقنية المعلومات". واستندت إلى التعريف الواسع في قانون 2021، الذي يشمل أي أداة إلكترونية تستخدم لمعالجة البيانات أو تخزينها أو نقلها. وقضت المحكمة بشكل قاطع بأن بوابات التقاضي الإلكترونية، حتى لو كانت آمنة، تندرج تماماً ضمن هذا التعريف، مما يجعل الجريمة المرتكبة جريمة إلكترونية.

بشأن الأدلة والقصد الجنائي: أعادت المحكمة تأكيد المبدأ المستقر بأن لمحكمة الموضوع السلطة التامة في تقدير الأدلة واستخلاص القصد الجنائي. ووجدت أن المحاكم الأدنى درجة قد استنتجت بشكل معقول من صريح العبارات التي استخدمها الطاعن أن القصد من ورائها كان الإهانة، وأن هذا الاستخلاص في مسائل الواقع لا يخضع لرقابة محكمة النقض.

بشأن مسألة الأمر الجزائي: شرحت المحكمة نقطة إجرائية بالغة الأهمية. فبموجب المادة 342 من قانون الإجراءات الجزائية، عندما يعترض المتهم على أمر جزائي، يُعتبر هذا الأمر لاغياً قانوناً و"كأن لم يكن". ومن ثم، تحال الدعوى إلى محاكمة كاملة، حيث لا تكون المحكمة مقيدة بالعقوبة السابقة الملغاة. بل لها كامل الحرية في فرض أي عقوبة ضمن الحدود القانونية. وبالتالي، فإن فرض غرامة أعلى كان إجراءً قانونياً سليماً.

الحكم النهائي

بعد أن وجدت أن جميع أسباب الطعن لا أساس لها من الصحة، قضت المحكمة الاتحادية العليا برفض الطعن موضوعاً وأمرت بمصادرة التأمين الذي أودعه الطاعن. هذا الحكم يرسخ الإدانة ويبعث برسالة واضحة لجميع الممارسين القانونيين والمتقاضين: إن التحول الرقمي لنظام العدالة لا يخلق فضاءً خارجاً عن القانون، وجميع المراسلات، حتى ضمن ملفات المحاكم، يجب أن تلتزم بقوانين الدولة ومبادئ اللياقة المهنية.

ID: 0178a2f7...