→ العودة للأرشيف
حكم مكتبناالقانون الجزائيJanuary 13th, 2026

طعن جزائي 1249-2025إهمال مدير، وحياة عامل: حكم المحكمة العليا في قضايا السلامة المهنية والمسؤولية الشخصية

المحكمة الاتحادية العليا

الحادث المأساوي: فشل قاتل في السلامة المهنية

في قضية تسلط الضوء على المسؤوليات الجسيمة الملقاة على عاتق مديري المواقع، أدى حادث عمل مميت إلى معركة قانونية طويلة بلغت ذروتها بصدور حكم بات من المحكمة الاتحادية العليا. بدأت الواقعة في يوم عادي في موقع بناء، حيث لقي عامل حتفه بشكل مأساوي عندما سقط عليه دينامو ثقيل من آلة رص الطابوق. كشف التحقيق اللاحق عن خلفية مقلقة من الإخفاقات المنهجية في إجراءات السلامة والتحذيرات المهملة.

وقد رسمت الأدلة المقدمة إلى المحكمة صورة قاتمة. وُصفت آلة رص الطابوق بأنها كانت في 'حالة سيئة'، قديمة ومتهالكة. والأكثر إدانة من ذلك، شهادة أحد الشهود بأن العمال كانوا قد أثاروا مخاوفهم بشأن العيوب الفنية في الآلة أمام مديرهم. وبدلاً من معالجة قضايا السلامة، زُعم أن المدير تجاهل شكاواهم، وأمرهم بـ 'مواصلة العمل وعدم النقاش'. وقد ثبت أن هذا التوجيه كان قاتلاً. وعزز تقرير فني الادعاءات بالإهمال، حيث خلص إلى وجود تشققات وتآكل كبير في هيكل المبنى وحديد التسليح، مما أدى في النهاية إلى سقوط الآلة. وأكد تقرير طبي أن وفاة العامل كانت نتيجة مباشرة للإصابات التي لحقت به من المعدات المتساقطة.

الرحلة القضائية: من الإدانة إلى النقض

اتهمت النيابة العامة المدير بالتسبب في الوفاة عن طريق الخطأ، وحملته مسؤولية عدم توفير احتياطات السلامة اللازمة واستخدام معدات خطرة. انتقلت القضية إلى محكمة أول درجة، التي وجدت أن المدير مسؤول شخصيًا عن وفاة العامل. وحكمت عليه المحكمة بالسجن لمدة عام واحد مع وقف التنفيذ لمدة ثلاث سنوات، وفرضت عليه غرامة قدرها خمسة آلاف درهم. والأهم من ذلك، أنها أمرته بدفع مائتي ألف درهم كدية شرعية لورثة المتوفى.

غير راضٍ عن الحكم، استأنف المدير القرار. ومع ذلك، لم تجد محكمة الاستئناف أي سبب لنقض الحكم الابتدائي وأيدت الإدانة والعقوبات بالكامل. وكملاذ أخير، صعد المدير القضية إلى المحكمة الاتحادية العليا، مثيراً ثلاثة دفوع رئيسية في محاولة لتبرئة نفسه من المسؤولية.

كلمة المحكمة العليا الفصل: رفض جميع الطعون

أمام أعلى محكمة في البلاد، قدم المدير دفاعًا متعدد الجوانب، والذي قامت المحكمة بتفنيده بشكل منهجي.

الدفع الأول: المسؤولية الشخصية مقابل مسؤولية الشركة

كان خط الدفاع الأول للمدير هو التمييز القانوني. فقد جادل بأن دوره كان ممثلاً للشركة، وبالتالي، كشخص اعتباري، يجب أن تواجه الشركة غرامة، لكن لا يمكن سجنه هو كفرد. وادعى أن المحاكم الابتدائية قد أخطأت في تطبيق القانون بفرض عقوبة السجن عليه شخصيًا.

رفضت المحكمة العليا هذا الادعاء بحزم. وأكدت من جديد المبدأ المستقر بأن لمحكمة الموضوع السلطة الكاملة في تقييم الوقائع وتكييف طبيعة المسؤولية. وكانت المحاكم الأدنى درجة قد خلصت، بناءً على أدلة دامغة، إلى أن إهمال المدير كان فشلاً شخصيًا. إن قراره باستخدام آلة معيبة وتجاهل تحذيرات موظفيه الصريحة بشأن السلامة شكّل خرقًا شخصيًا للواجب. ولم يوفر له منصبه في الشركة درعًا يحميه من المساءلة الشخصية عن العواقب المميتة لأفعاله. واعتبرت المحكمة هذه المسألة من مسائل الواقع التي تم التوصل إليها بمنطق سليم ولا تخضع لمراجعة محكمة النقض.

الدفع الثاني: محاولة تحميل الخطأ للغير

بعد ذلك، جادل المدير بأن منطق المحاكم الأدنى درجة كان معيبًا لأنها حملته كامل عبء المسؤولية. وأشار إلى أن العامل المتوفى كان مخطئًا أيضًا ويجب أن يتحمل المسؤولية الكاملة عن الحادث.

رفضت المحكمة العليا هذا باعتباره 'جدلاً موضوعيًا' غير مقبول. وأوضحت المحكمة أن دورها ليس إعادة وزن الأدلة أو التشكيك في النتائج الواقعية التي توصلت إليها محكمة الموضوع. وكانت المحاكم الأدنى درجة قد فحصت بدقة شهادات الشهود وتقارير الخبراء، وأثبتت وجود علاقة سببية واضحة وغير منقطعة بين إهمال المدير ووفاة العامل. واعتُبرت محاولة إلقاء اللوم على الضحية محاولة لإعادة التقاضي في الوقائع، وهي ممارسة غير مسموح بها أمام المحكمة العليا.

الدفع الثالث: سوء فهم لمفهوم الدية

أخيرًا، طعن المدير في الأمر بدفع الدية، مدعيًا أنه قد أودع بالفعل المبلغ الكامل البالغ مائتي ألف درهم في خزانة المحكمة. وجادل بأن أمر المحكمة كان بالتالي مخالفًا للقانون، حيث تم السداد بالفعل.

استخدمت المحكمة العليا هذه النقطة لتوضيح مبدأ قانوني حاسم. وأوضحت أن الدية هي عقوبة أصلية لجريمة القتل الخطأ، والمحكمة ملزمة بالحكم بها، حتى لو لم يطلبها أهل الضحية. إن إيداع المدير للأموال في حساب المحكمة كان مجرد إجراء تأميني، حيث تم إيداع المبلغ كأمانة لحين صدور الحكم النهائي. إن الأمر القضائي الصادر من المحكمة بدفع الدية هو عمل قانوني منفصل ومتميز. إن النقل المادي للأموال إلى الورثة هو مسألة تتعلق بتنفيذ الحكم، والذي لا يمكن أن يتم إلا بعد أن يصبح الحكم نهائيًا وباتًا. لذلك، تصرفت المحكمة الابتدائية بشكل صحيح عندما أمرت رسميًا بالدفع كجزء من العقوبة، بغض النظر عن الإيداع المسبق. وبناءً عليه، وُجد أن الطعن في هذا الشأن لا يستند إلى أساس سليم وتم رفضه.

ومع رفض جميع أسباب الطعن الثلاثة بشكل شامل، أيدت المحكمة الاتحادية العليا قرارات المحاكم الأدنى درجة ورفضت طعن المدير، لتصل بالقضية إلى نهاية حاسمة وتعزز الأهمية القصوى للمساءلة الشخصية في ضمان السلامة في مكان العمل.

ID: 04bbf663...
طعن جزائي 1249-2025إهمال مدير، وحياة عامل: حكم المحكمة العليا في قضايا السلامة المهنية والمسؤولية الشخصية | Zayed Al Khalifi | محامي في العين وأبوظبي | زايد الخليفي للاستشارات القانونية