→ العودة للأرشيف
حكم مكتبناالقانون الجزائيFebruary 10th, 2026

الالتماس رقم 3 لسنة 2026 جزائي/ عدالة عابرة للحدود: كيف ألغى حكم براءة في الخارج حكماً بالسجن المؤبد في الإمارات

المحكمة الاتحادية العليا

📋 خلفية القضية: ملاحقة قضائية عابرة للحدود

بدأت فصول هذه القضية بطلب مساعدة قضائية ورد من جمهورية مصر العربية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة. كانت السلطات المصرية تتابع قضية معقدة لتهريب المخدرات، وحددت مواطناً إماراتياً كأحد المشتبه بهم الرئيسيين. بناءً على هذا الطلب الدولي، باشرت النيابة العامة في الإمارات قضية موازية ضد المواطن الإماراتي، ووجهت إليه تهمة تدبير جلب مواد مخدرة (الهيروين والحشيش والأفيون) بقصد الاتجار، بالاشتراك مع متواطئين في الخارج.

⚖️ المحاكمة وتصاعد الأحكام في الإمارات

أُحيلت القضية إلى المحاكم الإماراتية، واستندت بشكل كامل على أساس التحقيقات والأدلة الواردة من مصر. بعد دراسة الأدلة المقدمة، أصدرت محكمة أول درجة أقصى عقوبة ممكنة: الإعدام بإجماع الآراء، وهو حكم يعكس خطورة تهم الاتجار بالمخدرات.

رفضاً لهذا المصير، تقدم المحكوم عليه بالاستئناف. قامت محكمة الاستئناف بإعادة فحص القضية، ورغم أنها أيدت الإدانة، قررت تخفيف العقوبة. في تعديل جوهري، ألغت عقوبة الإعدام واستبدلتها بعقوبة السجن المؤبد. ورغم أن هذا القرار كان بمثابة نجاة من حبل المشنقة، إلا أنه كان يعني قضاء بقية العمر خلف القضبان.

لم تنته المعركة القانونية عند هذا الحد. رفع الرجل قضيته إلى أعلى سلطة قضائية في الدولة، المحكمة الاتحادية العليا، في محاولة أخيرة لنيل حريته. إلا أن طعنه بالنقض قوبل بالرفض، وأصبح الحكم باتاً ونهائياً. بدا وكأن أبواب العدالة قد أُغلقت تماماً، وكان المواطن الإماراتي على وشك قضاء عقوبة السجن المؤبد.

⚡ نقطة التحول: حكم من مصر

بينما كانت الدراما القانونية تتكشف في الإمارات، كانت القضية الأصلية في مصر تواصل مسارها المنفصل. في تطور مذهل ومحوري، توصلت محكمة جنايات القاهرة، التي كانت تنظر في القضية الأم، إلى حكمها. وجدت المحكمة أن الأدلة ضد المواطن الإماراتي غير كافية وأصدرت حكماً بالبراءة الكاملة، مما يبرئه من جميع التهم المتعلقة بعملية تهريب المخدرات.

لم يكن هذا الحكم مجرد خبر، بل كان واقعة قانونية جديدة وحاسمة لم تكن متاحة للمحاكم الإماراتية أثناء المحاكمة والاستئناف. لقد قوّض هذا الحكم بشكل أساسي الفرضية التي قامت عليها الإدانة في الإمارات، والتي كانت مبنية على إدانته في القضية المصرية.

🔍 التماس إعادة النظر: ملاذ قانوني أخير

متسلحاً بهذا الحكم الجديد، تقدم وكيل الرجل بالتماس إلى النائب العام في الإمارات لإعادة النظر في الحكم النهائي. هذا الإجراء القانوني منصوص عليه في المادة 257 (البند 5) من قانون الإجراءات الجزائية الإماراتي. يسمح هذا النص تحديداً بإعادة فتح القضية إذا ظهرت، بعد صدور حكم بات، وقائع جديدة أو قُدمت مستندات لم تكن معلومة وقت المحاكمة، وكان من شأنها إثبات براءة المحكوم عليه.

بموجب القانون، فإن الحق في طلب إعادة النظر في هذه الحالة يعود حصراً للنائب العام. إدراكاً للآثار العميقة لحكم البراءة المصري، وجد النائب العام أن الالتماس له ما يبرره. وقام بإعداد تقرير شامل ورفع الطلب إلى الدائرة الجزائية بالمحكمة الاتحادية العليا، موصياً بإعادة النظر في الحكم النهائي.

🏛️ حكم المحكمة العليا التاريخي

انعقدت المحكمة الاتحادية العليا للنظر في هذا الالتماس الاستثنائي. استعرض القضاة مذكرة النائب العام وحكم البراءة الموثق من القاهرة. كان منطق المحكمة واضحاً وحاسماً: إن الملاحقة القضائية والإدانة اللاحقة في الإمارات كانتا معتمدتين كلياً على طلب المساعدة القضائية من مصر. وبما أن المتهم قد أُعلنت براءته في الدولة صاحبة الاختصاص الأصيل، فإن الأساس القانوني والواقعي للإدانة في الإمارات قد انهار.

وخلصت المحكمة إلى أن الحكم النهائي بالسجن المؤبد أصبح غير قائم على أساس صحيح بفعل الدليل الجديد. وبناءً عليه، قبلت التماس إعادة النظر، معتبرةً أنه يتوافق مع صحيح القانون ومبادئ العدالة.

الحكم النهائي

في تحول دراماتيكي للأحداث، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا حكماً شاملاً ألغى الإدانات السابقة:

  1. قررت المحكمة إلغاء حكمها السابق الصادر في الطعن بالنقض والذي كان قد أيد عقوبة السجن المؤبد.

  2. ثم مضت إلى نقض حكم محكمة الاستئناف الذي قضى بعقوبة السجن المؤبد.

  3. كما قررت إلغاء الحكم الابتدائي الصادر عن محكمة أول درجة القاضي بالإعدام.

  4. أخيراً، وباستعمال سلطتها، أصدرت المحكمة حكماً جديداً ونهائياً: براءة الملتمس براءة تامة من جميع التهم التي أُسندت إليه سابقاً.

يُعد هذا الحكم شهادة قوية على قدرة النظام القضائي على تصحيح مساره، وعلى الأهمية القصوى للعدالة، حتى لو تطلب الأمر مراجعة حكم بات ونهائي في ضوء أدلة جديدة وقاطعة تأتي من عبر الحدود الدولية.

ID: 0fb29caf...