→ العودة للأرشيف
قانون الإجراءات المدنيةAugust 7th, 2024

طعن اداري696-2026 / القرار المحصّن: المحكمة العليا تؤكد على الرقابة القضائية لقرارات لجان المسؤولية الطبية

المحكمة الاتحادية العليا

⚖️ القرار المحصّن: المحكمة العليا تؤكد على الرقابة القضائية لقرارات لجان المسؤولية الطبية

في حكم تاريخي يعيد تأكيد أحد أركان المبادئ القضائية، قضت المحكمة الاتحادية العليا بأن القرارات الصادرة عن اللجنة العليا للمسؤولية الطبية، على الرغم من وصفها بـ "النهائية" بموجب القانون، ليست محصنة من الرقابة القضائية. وينتصر هذا الحكم للحق الدستوري لكل فرد في اللجوء إلى القضاء، ليضمن بقاء الهيئات الإدارية، مهما بلغت درجة تخصصها، خاضعة لسيادة القانون.

📋 خلفية القضية: مسيرة مهنية على المحك

رفع القضية طبيب متخصص وجد مسيرته المهنية وسمعته على المحك إثر قرار صادر عن اللجنة العليا للمسؤولية الطبية. فبعد حادثة تتعلق بأحد المرضى، تم تقديم شكوى أدت إلى فتح تحقيق من قبل لجان المسؤولية الطبية المختصة. وتوجت هذه العملية بصدور تقرير من اللجنة العليا في أوائل شهر سبتمبر من العام الماضي، والذي خلص إلى أن الطبيب قد ارتكب خطأً طبياً جسيماً. والأهم من ذلك، أن اللجنة حملت الطبيب نسبة 50% من المسؤولية عن النتيجة السلبية التي تعرض لها المريض.

كان هذا القرار بمثابة ضربة قاصمة للطبيب. وإيماناً منه بأن استنتاجات اللجنة كانت معيبة وغير مدعومة بالأدلة، وتغافلت عن جوانب رئيسية في القضية — بما في ذلك عدم وجود خبير في مجال تخصصه الدقيق ضمن أعضاء اللجنة وإغفال تقارير استشارية مهمة تبرئ ساحته — سعى إلى الطعن في القرار. غير أن طريقه نحو العدالة بدا مسدوداً بنص تشريعي محدد في القانون المنظم للمسؤولية الطبية.

🏛️ المتاهة القانونية: طريق مسدود نحو العدالة

أقام الطبيب دعوى قضائية أمام محكمة أبوظبي الاتحادية الابتدائية، طالباً إلغاء القرار الإداري الصادر عن اللجنة العليا، محتجاً بأن القرار معيب من الناحيتين الإجرائية والموضوعية. إلا أن المحكمة الابتدائية قضت بعدم قبول الدعوى. واستندت المحكمة في قرارها إلى المادة 21 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 4 لسنة 2016 بشأن المسؤولية الطبية، والتي تنص على أن تقرير اللجنة العليا "يعتبر نهائياً ولا يقبل الطعن بأي وجه على التقارير الطبية الصادرة من هذه اللجنة أمام أي جهة".

لم يثنِ ذلك عزيمة الطبيب، فاستأنف الحكم أمام محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية. وفي حكمها الصادر في شهر مايو من العام الحالي، أيدت محكمة الاستئناف قرار المحكمة الابتدائية، متفقة على أن النص التشريعي يحصّن قرارات اللجنة صراحةً من أي شكل من أشكال الطعن، مما أغلق فعلياً أبواب المحاكم في وجه الطبيب المتضرر. وقد أدى ذلك إلى نشوء تعارض قانوني عميق: قانون اتحادي يجرد مواطناً من حق أساسي يكفله دستور الدولة.

⚡ تدخل المحكمة العليا: الدستور فوق كل اعتبار

صعدت القضية بعد ذلك إلى المحكمة الاتحادية العليا، حيث وُضعت المسألة القانونية الجوهرية على المحك النهائي: هل يمكن لقانون أن يمنع مواطناً من التماس الرقابة القضائية على قرار إداري يمس حقوقه ومركزه القانوني؟ وقد دفع الفريق القانوني للطبيب بحماس بأن مثل هذا النص ينتهك المادة 41 من الدستور، التي تكفل لكل إنسان الحق في تقديم الشكوى إلى الجهات المختصة، بما في ذلك الجهات القضائية.

أجرت المحكمة العليا تحليلاً شاملاً وأصدرت حكماً قوياً وواضحاً.

🔍 المبادئ القانونية الرئيسية التي أكدتها المحكمة:

استهلت المحكمة حكمها بإعادة تأكيد مبدأ أساسي من مبادئ سيادة القانون: حق التقاضي هو من الحقوق العامة التي يكفل الدستور حمايتها، ولا يجوز مصادرته أو تقييده بشكل غير معقول. فلا يمكن "تحصين" أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء.

  1. طبيعة قرار اللجنة: صنفت المحكمة تقرير اللجنة العليا بأنه قرار إداري نهائي. وأوضحت أن القرار يكون "نهائياً" عندما يصدر من جهة إدارية، ولا يحتاج إلى تصديق من سلطة أعلى، ويترتب عليه مباشرةً آثار قانونية تمس المركز القانوني للشخص المخاطب به. ولا شك في أن تحميل الطبيب مسؤولية بنسبة 50% عن خطأ طبي جسيم قد رتب مثل هذا الأثر القانوني.

  2. عدم دستورية التحصين: أكدت المحكمة بشكل قاطع أن تحصين أي قرار إداري من الرقابة القضائية أمر غير جائز. فدور القضاء هو ضمان أن تتصرف الجهات الإدارية في حدود القانون. وتشمل هذه الرقابة فحص القرار للتحقق من خلوه من عيوب عدم الاختصاص، والشكل، والإجراءات، والسبب، والمحل، والغاية.

  3. تفسير "النهائية" في مقابل "عدم القابلية للطعن": بينما يصف القانون تقرير اللجنة بأنه "نهائي"، فسرت المحكمة العليا ذلك على أنه نهائي *ضمن الإجراءات الإدارية*، أي أنه ينهي التسلسل الإداري للمراجعة. ولكن هذه النهائية الإدارية لا يمكنها أن تمنع النهائية القضائية، التي لا تتحقق إلا من خلال النظام القضائي. واعتُبرت عبارة "لا يقبل الطعن بأي وجه" متعارضة مع الضمانة الدستورية الأسمى المتمثلة في حق الوصول إلى العدالة، وبالتالي لا يمكن استخدامها لمنع إقامة دعوى قضائية.

⚖️ الحكم النهائي: النقض والإحالة

خلصت المحكمة الاتحادية العليا إلى أن محكمة الاستئناف المطعون في حكمها قد أخطأت في تطبيق القانون عندما أيدت عدم قبول الدعوى. فبرفضها نظر الطعن، تكون المحاكم الأدنى قد طبقت القانون بشكل خاطئ وانتهكت مبدأً دستورياً أساسياً.

وأشارت المحكمة إلى أن الطبيب قد أقام دعواه في الوقت المناسب، ضمن المهلة المحددة لرفع دعاوى الإلغاء بعد صدور قرار اللجنة. وبناءً عليه، كانت الدعوى مقبولة شكلاً.

وشدد حكم المحكمة العليا على أنه عند مراجعة مثل هذه المسألة الفنية، قد تحتاج المحكمة إلى ندب لجنة خبراء خاصة بها لتقديم رأي فني مستقل، مما يضمن تزويد المحكمة بالمعلومات الكافية للفصل بشكل صحيح في الادعاءات المتعلقة بوجود خطأ في تقرير اللجنة الأصلي.

وبناءً على ذلك، قضت المحكمة الاتحادية العليا بنقض الحكم المطعون فيه وإحالة القضية مرة أخرى إلى محكمة الاستئناف لنظرها من قبل هيئة قضائية مغايرة، مع توجيه واضح بقبول الدعوى شكلاً والشروع في فحص الأسس الموضوعية للطعن المقدم ضد قرار اللجنة العليا للمسؤولية الطبية.

ID: 30fa7f24...