→ العودة للأرشيف
حكم مكتبناالقانون الجزائيDecember 3rd, 2025

نقض حكم غسل أموال بقيمة 8.9 مليون درهم: خطأ جوهري في الإطار الزمني للجريمة يعيد القضية لنقطة الصفر

محكمة التمييز بدبي

📋 خلفية القضية: جبل من المعاملات المشبوهة

بدأت فصول هذه القضية عندما وجهت النيابة العامة اتهامات خطيرة ضد رجل أعمال، تتهمه بالاستيلاء غير المشروع على مبلغ ضخم وصل إلى 8,929,011 درهم إماراتي. زعمت النيابة أن هذه الأموال تدفقت بين 1 يناير 2022 و24 يوليو 2023 إلى حساباته المصرفية الشخصية في عدة بنوك مرموقة، بما في ذلك بنك أبوظبي الأول، وبنك دبي التجاري، وبنك حبيب زيورخ. أكدت السلطات وجود دلائل وقرائن كافية تشير إلى المصدر غير المشروع لهذه الثروة، مما يشكل جريمة بموجب قوانين دولة الإمارات العربية المتحدة الصارمة لمكافحة غسل الأموال، وتحديداً المرسوم بقانون اتحادي رقم (20) لسنة 2018 وتعديلاته اللاحقة.

⚖️ الرحلة عبر المحاكم الابتدائية والاستئنافية: من الإدانة إلى التأييد

أُحيلت القضية إلى محكمة أول درجة (الجنح)، التي بعد مراجعتها للأدلة المقدمة، خلصت إلى إدانة رجل الأعمال. وفي حكم حاسم صدر بتاريخ 17 يوليو 2025، فرضت المحكمة عقوبة متعددة الجوانب: السجن لمدة ستة أشهر، وغرامة باهظة تعادل كامل قيمة الأموال غير المشروعة—8,929,011 درهم—بالإضافة إلى إبعاده عن الدولة بعد قضاء محكوميته. رفض المتهم قبول هذا الحكم، وسارع إلى استئنافه. إلا أن آماله تبددت عندما أيدت محكمة الاستئناف، في جلستها المنعقدة بتاريخ 6 نوفمبر 2025، الحكم الابتدائي. فعلى الرغم من قبول الاستئناف من حيث الشكل، فقد تم رفضه من حيث الموضوع، مما أبقى على الحكم الأصلي وعقوباته الشديدة ساري المفعول. ومع تضاؤل خياراته القانونية، وضع رجل الأعمال أمله الأخير في أعلى محكمة في البلاد، محكمة التمييز.

⚡ الطعن بالتمييز: الكشف عن خطأ إجرائي جوهري

أمام محكمة التمييز، قدم فريق الدفاع طعناً مدروساً بعناية، محتجاً بأن أحكام المحاكم الأدنى درجة شابتها أخطاء قانونية جسيمة. استندت حجتهم إلى عدة نقاط رئيسية:

  • القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال: كان جوهر الطعن هو التأكيد على أن الإدانة بنيت على أساس معيب. جادل الدفاع بأن المحاكم الأدنى قد اعتمدت بشكل كبير على أدلة، وخاصة تقارير وحدة المعلومات المالية وتحريات الشرطة، التي فصلت معاملات تعود لفترات زمنية تقع خارج النطاق الزمني المحدد في لائحة الاتهام الرسمية. فالتهم كانت محصورة بشكل صارم في الفترة بين عامي 2022 و2023، ومع ذلك، فإن الأدلة المقدمة والمُعتمد عليها شملت تقارير عن معاملات مشبوهة تعود إلى أعوام سابقة مثل 2009، 2013، 2015، و2020.

  • الإخلال بحق الدفاع: ادعى الطاعن أن المحاكم الأدنى لم تنظر بشكل كافٍ في دفاعه، الذي نفى التهم باستمرار وحاول تقديم مبررات لمصدر الأموال. واعتبر أن عبارة محكمة الاستئناف بأنه 'عجز عن إثبات مصدر المال' كانت توصيفاً غير عادل، حيث قلبت عبء الإثبات بشكل غير صحيح.

  • عدم كفاية الأدلة على الجريمة المنسوبة: دفع الدفاع بقوة بأن النيابة العامة لم تقدم دليلاً ملموساً يثبت أن الأموال التي تم حيازتها *خلال الفترة الزمنية المحددة بين 2022-2023* كانت من مصدر غير مشروع. وزعموا أن الإدانة استندت إلى سحابة عامة من الشكوك نابعة من نشاط مالي تاريخي بدلاً من أدلة مباشرة مرتبطة بالجريمة كما وُجهت.

🔍 تحليل المحكمة العليا: التفاصيل الدقيقة هي مفتاح العدالة

شرعت محكمة التمييز في مراجعة شاملة، ليس للوقائع نفسها، بل لكيفية تطبيق القانون من قبل المحاكم الأدنى. شددت المحكمة العليا على المبدأ المنصوص عليه في المادة 217 من قانون الإجراءات الجزائية، التي توجب أن يتضمن كل حكم بالإدانة بياناً واضحاً وشاملاً للواقعة المستوجبة للعقوبة، والظروف التي وقعت فيها، والأدلة التي استخلصت منها المحكمة ثبوت وقوعها. وهذا أمر بالغ الأهمية لتمكين محكمة التمييز من أداء دورها الرقابي.

وفي تحليلها، اكتشفت المحكمة وجود عيب قاتل في منطق المحاكم الأدنى. فالحكم المطعون فيه قد اقتبس مطولاً من تقارير المعلومات المالية وتحريات الشرطة، لكنه فشل في تحليل هذه المعلومات وربطها بالتهم المحددة بشكل نقدي. لقد رسم حكم المحكمة الابتدائية صورة لرجل يمارس نشاط الحوالة غير المرخص، لكن أدلته الداعمة كانت نسيجاً من المعاملات التي امتدت لأكثر من عقد من الزمان.

وخلصت محكمة التمييز إلى أنه بدمج البيانات التاريخية مع المعاملات من الفترة المتهم بها، خلقت المحكمة الأدنى سردية للإدانة لم تكن سليمة من الناحية القانونية. لقد فشل الحكم في عزل وتحديد أي من الأموال، التي تم حيازتها بين يناير 2022 ويوليو 2023، قد ثبت عدم مشروعيتها. ولم يوضح ماهية 'الدلائل والقرائن الكافية' على مصدرها غير القانوني كما يقتضي قانون مكافحة غسل الأموال. هذا القصور جعل الحكم معيباً وجعل من المستحيل على محكمة التمييز التحقق من أن القانون قد طُبق بشكل صحيح على الوقائع.

الحكم: نقض الإدانة وإحالة الدعوى

بناءً على هذا القصور الإجرائي العميق، أصدرت محكمة التمييز حكمها النهائي. فقد نقضت الحكم المطعون فيه بالكامل. لم تبرئ المحكمة رجل الأعمال، بل أحالت القضية مرة أخرى إلى محكمة الاستئناف لإعادة تقييمها بالكامل. يجب الآن أن تنظر في القضية هيئة قضائية جديدة، مكلفة بإعادة النظر في الأدلة ضمن الحدود الصارمة للإطار الزمني للاتهام والمتطلبات القانونية. يؤكد هذا القرار مبدأً قانونياً حاسماً: يجب أن تستند الإدانة إلى أدلة ذات صلة مباشرة بالتهمة المحددة، وليس على تاريخ غامض من الشكوك. فالسعي لتحقيق العدالة يتطلب الدقة، وفي هذه القضية التي بلغت قيمتها ملايين الدراهم، كانت تلك الدقة مفقودة.

ID: 3f14a932...
نقض حكم غسل أموال بقيمة 8.9 مليون درهم: خطأ جوهري في الإطار الزمني للجريمة يعيد القضية لنقطة الصفر | Zayed Al Khalifi | محامي في العين وأبوظبي | زايد الخليفي للاستشارات القانونية