→ العودة للأرشيف
حكم مكتبناحكم نقض أحوال شخصيةOctober 15th, 2025

(الطعن رقم 724 لسنة 2025 أحوال شخصية) تحول تشريعي تاريخي: كيف فتح قانون جديد الباب لإثبات النسب بالحمض النووي متجاوزاً شرط الفراش

محكمة النقض

صراع أم من أجل هوية طفلتيها: حكم تاريخي في قضية إثبات نسب

في حكم قضائي بالغ الأهمية يسلط الضوء على تطور كبير في قانون الأحوال الشخصية، نقضت محكمة النقض الأحكام الصادرة عن المحاكم الأدنى درجة، مؤكدة على قوة الأدلة العلمية في نزاعات إثبات النسب. وقد استند قرار المحكمة بشكل أساسي على تفسير قانون الأحوال الشخصية الجديد، مرسخاً مبدأ جواز الأمر بإجراء فحص الحمض النووي (DNA) لإثبات الأبوة حتى في غياب عقد زواج رسمي، واضعاً بذلك مصلحة الطفل وحقه الأصيل في معرفة نسبه في المقام الأول.

📋 خلفية النزاع

بدأت فصول هذه القضية عندما أقامت أم دعوى قضائية نيابة عن ابنتيها التوأم، مطالبة بإثبات نسبهما لأبيهما المزعوم. وفي تفاصيل دعواها، ذكرت أن علاقتها بالرجل بدأت في أكتوبر 2020 في مدينة دبي. وروت أنها التقت به، وبعد فترة من التواصل مع والدتها عبر مكالمات الفيديو، طلب يدها للزواج. وبعد ذلك، حضر إلى الفندق الذي كانت تقيم فيه بصحبة شخصين آخرين، حيث أُجري ما يشبه مراسم الزواج. لم تفهم الأم العبارات العربية التي كانت تُتلى، لكن الرجل أخبرها بأنهما أصبحا زوجين شرعاً وقانوناً، وأنه يحل له معاشرتها.

عاشا معاً كزوج وزوجة لمدة خمسة أشهر في دبي، وسافرا معاً إلى دولة أخرى. وخلال هذه الفترة، كان يتجنب تعريفها على عائلته، متحججاً بوجود صراعات في منطقتهم. وعندما اكتشفت أنها حامل، طمأنها بأنه سيقوم بتسجيل المولود بعد ولادته. إلا أن التواصل بينهما بدأ يضعف تدريجياً. وبعد ولادتها لابنتين توأم، استمر في التواصل معها لمدة أربعة أشهر، حتى أنه هو من قام بتسميتهما. ثم فجأة، قام بحظرها من جميع منصات التواصل، واختفى من حياتهن تماماً.

متسلحة بالصور الفوتوغرافية والرسائل النصية وسجلات السفر، لجأت الأم إلى محكمة أبوظبي للأسرة. وطلبت في دعواها إصدار حكم بما يلي:

  • إثبات نسب ابنتيها التوأم للمدعى عليه.

  • إلزامه باستخراج كافة الوثائق الرسمية اللازمة للطفلتين، بما في ذلك شهادات الميلاد وجوازات السفر وبطاقات الهوية الإماراتية.

  • إثبات حضانتها لهما، وإلزامه بتقديم دعم مالي كبير يشمل نفقة شهرية قدرها 10,000 درهم، وتوفير مسكن وخادمة وسيارة، ونفقة ملابس مرتين في السنة.

  • إحالة القضية إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات الجنائية ضده لامتناعه عن إثبات نسب طفلتيه.

⚖️ رفض المحاكم الابتدائية للدعوى

على الرغم من الأدلة التي قدمتها الأم والتماساتها، واجهت قضيتها عقبة قانونية كبرى. فقد قضت المحكمة الابتدائية بتاريخ 30 أبريل 2025 برفض دعواها بالكامل. استأنفت الأم الحكم على الفور، لكن محكمة الاستئناف أيدت الحكم الابتدائي بتاريخ 17 يونيو 2025. استندت كلتا المحكمتين في حيثيات حكمهما إلى نقطة جوهرية في قانون الأحوال الشخصية الساري آنذاك (القانون الاتحادي رقم 28 لسنة 2005). حيث كانت المادة 89 من ذلك القانون تشترط لإثبات النسب بالطرق العلمية، مثل فحص الحمض النووي، أن يتم ذلك 'إذَا ثَبَتَ الفِرَاش'. وبما أن الأم لم تتمكن من تقديم عقد زواج رسمي وموثق، خلصت المحاكم إلى أنها ممنوعة قانوناً حتى من النظر في الطريق العلمي المتمثل في فحص الحمض النووي. وهكذا، رُفضت قضيتها قبل أن تتمكن من الاستناد إلى أقوى دليل محتمل لديها.

⚡ الطعن أمام المحكمة العليا والقانون الجديد

رافضة الاستسلام، مضت الأم بقضيتها إلى محكمة النقض. وقد بنت طعنها على تطور قانوني محوري: صدور قانون اتحادي جديد للأحوال الشخصية، وهو القانون رقم 41 لسنة 2024، الذي دخل حيز التنفيذ في 15 أبريل 2025. ودفع محاميها بأن المحاكم الأدنى درجة قد ارتكبت خطأً فادحاً في تطبيق القانون عندما لم تطبق هذا القانون الجديد الأكثر تقدمية على قضيتها.

كانت الحجة الرئيسية ذات شقين: أولاً، أن المادة 4/1 من القانون الجديد تنص صراحة على أنه يسري بأثر رجعي على دعاوى إثبات النسب التي لم يصدر بها حكم بات. وبما أن قضيتها كانت لا تزال منظورة أمام القضاء، فإن القانون الجديد هو الواجب التطبيق. ثانياً، وهو الأهم، أن المادة 87/1 من القانون الجديد قد غيرت قواعد إثبات النسب بشكل جذري؛ حيث عددت وسائل الإثبات بأنها 'الولادة في عقد زواج أو بالإقرار أو بالبينة أو بالطرق العلمية'. وقد لاحظت محكمة النقض أن المشرع قد حذف بشكل متعمد العبارة الشرطية الحاسمة: 'إذا ثبت الفراش'.

🔍 تحليل محكمة النقض الحاسم

وجدت محكمة النقض أن حجة الأم كانت سديدة وصحيحة. وقام القضاة بتفسير دقيق لنية المشرع، معتبرين أن الحذف المتعمد لشرط 'ثبوت الفراش' لم يكن مجرد تعديل طفيف، بل هو تحول عميق ومقصود في السياسة التشريعية.

وذكرت المحكمة في حيثياتها: 'الأصل في تفسير النصوص التشريعية هو أن تحمل على مقاصدها وأن تفسر عباراتها بما يكشف عن معناها'. وأوضحت المحكمة أن أي مغايرة في النص التشريعي تقتضي لزوماً المغايرة في الحكم، وإلا لكان النص الجديد لغواً، وهو ما يتنزه عنه المشرع. وبحذف هذا الشرط، كشف المشرع بجلاء عن إرادته في اعتبار الطرق العلمية سبيلاً مستقلاً وقائماً بذاته لإثبات النسب، ومتميزاً عن الطريق التقليدي المتمثل في إثبات علاقة الزوجية.

وخلصت محكمة النقض إلى أن المحكمة المطعون في حكمها قد أخطأت عندما بنت قضاءها على أحكام القانون الملغي. وبرفضها الأمر بإجراء فحص الحمض النووي لعدم وجود عقد زواج، تكون قد 'حجبت نفسها' عن ولوج طريق صحيح من طرق الإثبات، مما يجعل حكمها معيباً في تطبيق القانون ومشوباً بالقصور في التسبيب.

الحكم النهائي

بناءً على هذا التحليل، أصدرت محكمة النقض حكمها النهائي:

  1. قبول الطعن شكلاً وموضوعاً.

  2. نقض الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف.

  3. إحالة القضية مرة أخرى إلى محكمة الاستئناف لنظرها بهيئة مغايرة.

  4. أمرت المحكمة صراحةً محكمة الاستئناف بالشروع في إجراء فحص الحمض النووي (DNA) لحسم مسألة النسب.

  5. إلزام المطعون ضده (الأب المزعوم) برسوم ومصروفات الدعوى ومبلغ 1,000 درهم مقابل أتعاب المحاماة للطاعنة (الأم).

هذا القرار التاريخي لا يمنح الفتاتين التوأم فرصة للاعتراف بنسبهما قانونياً فحسب، بل يرسي سابقة قضائية قوية لأولوية الحقيقة العلمية في قانون الأسرة، مؤكداً أن حقوق الطفل ومصلحته الفضلى هي الاعتبار الأسمى.
ID: 58b304c8...
(الطعن رقم 724 لسنة 2025 أحوال شخصية) تحول تشريعي تاريخي: كيف فتح قانون جديد الباب لإثبات النسب بالحمض النووي متجاوزاً شرط الفراش | Zayed Al Khalifi | محامي في العين وأبوظبي | زايد الخليفي للاستشارات القانونية