→ العودة للأرشيف
حكم مكتبناحكم نقض مدنيFebruary 11th, 2026

الطعن رقم 11 لسنة 2026 إداري / المحكمة الاتحادية العليا تأمر بإعادة فحص تقرير طبي متنازع عليه في قضية خطأ طبي

المحكمة الاتحادية العليا

سعي ابن نحو العدالة: المحكمة العليا تنقض حكمًا في نزاع يتعلق بالخطأ الطبي

في حكم قضائي بارز يؤكد على الدور المحوري للسلطة القضائية في ضمان التحقيق العادل في الدعاوى الطبية المعقدة، نقضت المحكمة الاتحادية العليا قرار محكمة الاستئناف، لتفتح بذلك فصلاً جديداً في المعركة القانونية التي خاضها ابن بالنيابة عن والده. تمحورت القضية حول ادعاءات بوجود خطأ كارثي في التشخيص وتقرير لاحق صادر عن لجنة المسؤولية الطبية ادعى الابن أنه تم تزويره عمدًا لحماية الفريق الطبي المعني.

📋 خلفية القضية: حالة طبية طارئة وتشخيصات متضاربة

بدأت المأساة عندما تعرض رجل مسن لأزمة صحية مفاجئة، نُقل على إثرها بسيارة إسعاف إلى مستشفى محلي وهو يعاني من ضعف في جانبه الأيمن. وأشار الفحص الأولي إلى إصابته بجلطة دماغية. ولكن، سرعان ما تم نقل المريض إلى منشأة طبية أخرى لإجراء المزيد من الفحوصات. وفي المستشفى الثاني، اتخذ التشخيص منعطفًا حادًا ومصيريًا؛ حيث خلص الفريق الطبي هناك إلى أن المريض لا يعاني من جلطة دماغية، بل من انزلاق غضروفي في العنق، وأوصوا بإجراء عملية جراحية فورية.

أثار هذا التشخيص شكوك أسرة المريض، بمن فيهم ابنه الذي أصبح المدعي في القضية لاحقًا. كانوا على علم بوجود مشكلة بسيطة سابقة في الديسك لدى والدهم، وكان طبيب في الخارج قد أكد لهم أنها لا تستدعي التدخل الجراحي. وبناءً على هذه النصيحة السابقة، وقلقًا من التوصية المفاجئة بإجراء عملية جراحية، رفضت الأسرة الموافقة على الجراحة. خرج المريض من المستشفى، لكن حالته تدهورت بسرعة. وفي غضون 24 ساعة، أُعيد إدخاله إلى مستشفى آخر، وبعد خمسة عشر يومًا من المراقبة والعلاج، قرر ابنه السعي للحصول على رعاية طبية طارئة له خارج البلاد.

🔍 الشكوى الإدارية والتقرير محل النزاع

إيمانًا منه بأن التشخيص الخاطئ والتأخير في تقديم العلاج المناسب قد تسببا في ضرر جسيم لوالده، قدم الابن شكوى رسمية لدى السلطات الصحية. أدى ذلك إلى تشكيل اللجنة العليا للمسؤولية الطبية، وهي هيئة إدارية مكلفة بمراجعة مثل هذه الحالات. خلص تقرير اللجنة النهائي إلى أن الرعاية الطبية المقدمة كانت متوافقة مع المعايير المعمول بها وأنه لم يحدث أي خطأ طبي. وأكد التقرير أن تشخيص الجلطة الدماغية لم يكن واضحًا في ذلك الوقت، وأن مسار العلاج الموصى به – الأسبرين والستاتين والعلاج الطبيعي – كان مناسبًا.

رفض الابن هذا التقرير رفضًا قاطعًا. وقام برفع دعوى قضائية ضد الفريق الطبي الأولي (أربعة مدعى عليهم)، وبشكل حاسم، ضد الخبير من اللجنة العليا الذي أعد التقرير (المدعى عليه الخامس). وادعى أن هذا التقرير لم يكن معيبًا فحسب، بل كان مزورًا. وقدم أدلة تشير إلى أن التقرير تضمن معلومات غير دقيقة تهدف إلى تبرئة الأطباء. على سبيل المثال، ادعى أن التقرير حرّف زمن انتقال سيارة الإسعاف للتستر على التأخير، وتجاهل الأدلة المتناقضة الموجودة في الملف الطبي الرسمي للمريض. واعتبر أن هذا يشكل تزويرًا جوهريًا وخيانة لواجب الخبير في الحياد.

⚖️ الرحلة عبر المحاكم

رفضت المحكمة الابتدائية دعوى الابن، ووضعت ثقتها في استنتاجات اللجنة. استأنف الابن الحكم، لكن محكمة الاستئناف أيدت قرار الرفض. استندت محكمة الاستئناف في منطقها إلى أن الابن لم يطعن رسميًا بالتزوير على التقرير أمام النيابة العامة، وبالتالي فإن ادعاءه لا يعدو كونه زعمًا مرسلًا لا دليل عليه. وأعلنت المحكمة اطمئنانها إلى تقرير اللجنة، ورأت أنه لا حاجة لتعيين خبير طبي جديد ومستقل كما طالب الابن مرارًا وتكرارًا.

وهنا تدخلت المحكمة الاتحادية العليا. عرض الابن قضيته على أعلى محكمة في الدولة، مجادلًا بأن محكمة الاستئناف ارتكبت خطأً فادحًا. تمثلت حجته الأساسية في أن طعنه على التقرير كان دفاعًا جوهريًا – وهو دفاع حاسم لدرجة أنه لو ثبتت صحته، لكان من شأنه أن يغير نتيجة القضية بشكل جذري. وأصر على أن المحكمة الأدنى درجة كان من واجبها التحقيق في هذا الدفاع تحقيقًا شاملًا، بدلاً من رفضه لأسباب إجرائية. وسلط الضوء على التناقضات الصارخة بين السجلات الطبية الرسمية وتقرير اللجنة، مؤكدًا أن هذا التعارض يستلزم تعيين لجنة خبراء محايدة للفصل في النزاع.

⚡ قرار المحكمة العليا التاريخي

وافقت المحكمة الاتحادية العليا على دفوع الابن. وفي حكمها المفصل، أرست المحكمة عدة مبادئ رئيسية:

  • طبيعة التقرير الإداري 'النهائي': أوضحت المحكمة أنه على الرغم من وصف تقرير اللجنة العليا بأنه 'نهائي'، فإن هذه النهائية تقتصر فقط على إمكانية التظلم منه أمام جهة إدارية أخرى، ولا تمنع الطعن عليه قضائيًا. فهذه التقارير تعد قرارات إدارية وتخضع بشكل كامل لمراجعة ورقابة القضاء.

  • واجب التحقيق في الدفوع الجوهرية: أكدت المحكمة العليا أن المحكمة لا يمكنها تجاهل دفاع جوهري يُقدَّم مدعومًا بالأدلة. فادعاءات الابن بالتزوير، التي عززتها التناقضات في الملف الطبي، لم تكن ادعاءات عابثة. وكان تقصير المحكمة الأدنى درجة في التصدي لها مباشرة، ورفضها بردٍّ مقتضب، يشكل إخلالًا بحق الدفاع وفسادًا في الاستدلال.

  • حل التعارض الفني: عندما تواجه المحكمة أدلة فنية متضاربة، كما في هذه القضية حيث تعارضت أدلة الابن مع تقرير اللجنة، فإن واجبها يقتضي إزالة هذا الغموض. والطريقة الأنسب لذلك هي تعيين هيئة خبراء جديدة ومحايدة لتقديم رأي فاصل. وكان رفض محكمة الاستئناف القيام بذلك، بناءً على 'اطمئنانها' للتقرير المتنازع عليه، خطأً في تطبيق القانون.

الحكم

خلصت المحكمة الاتحادية العليا إلى أن حكم محكمة الاستئناف كان معيبًا بسبب الرد غير السائغ على دفاع جوهري والخطأ في تطبيق قانون الإثبات. وبناءً عليه، تم نقض الحكم المطعون فيه.

وأُحيلت القضية مرة أخرى إلى محكمة الاستئناف لنظرها من قبل هيئة قضائية مختلفة، مع توجيه واضح بضرورة قيام الهيئة الجديدة بالتحقيق بشكل صحيح في ادعاءات الابن، بما في ذلك طعنه على صحة تقرير المسؤولية الطبية، والنظر في تعيين لجنة طبية محايدة لتحقيق الوضوح وضمان إقامة العدل.

ID: 7552f69c...