→ العودة للأرشيف
حكم مكتبناالقانون الجزائيDecember 31st, 2025

(الطعن رقم 1759 لسنة 2025 جزائي

محكمة النقض

التفويض الإجرائي في الصدارة: المحكمة العليا توضح مسار مقاضاة التوطين الصوري

في حكم بارز يؤكد على أهمية الدقة الإجرائية في القانون الجنائي، نقضت المحكمة العليا في الدولة قرارًا استئنافيًا، وأعادت إحياء قضية كبرى تتعلق بجريمة التوطين الصوري. تمحور الحكم حول مسألة قانونية حاسمة: متى تُعتبر الدعوى الجزائية، التي تتطلب شكوى خاصة لتحريكها، قد قُدمت بشكل صحيح؟ وأوضح قرار المحكمة أن الشكوى الموقعة من جهة مفوضة رسميًا من الوزارة المعنية كافية لرفع أي قيود على سلطة النيابة العامة في مباشرة الدعوى.

الاتهامات والإدانة الأولية

بدأت القضية عندما وجهت النيابة العامة اتهامات ضد إحدى الشركات في أبوظبي، بارتكاب مخطط للاحتيال على قوانين ولوائح العمل. زعمت النيابة أن الشركة انخرطت في "توطين صوري" عبر توظيف عشرة مواطنين بشكل رمزي بحت. ووفقًا للتحقيقات، أصدرت الشركة عقود عمل وسجلت الأفراد لإظهار الامتثال لنسب التوطين، لكن هذه العقود كانت تفتقر إلى العناصر الأساسية لعلاقة العمل الحقيقية، مثل العمل الفعلي والتبعية. تم تصميم هذا المخطط لتحقيق المستهدفات التي حددتها القرارات الوزارية بشكل خادع، وبالتالي التحايل على القانون.

عُرضت القضية أولاً على محكمة أبوظبي العمالية. وبعد مراجعة الأدلة، خلصت المحكمة الابتدائية إلى إدانة الشركة بالتهمة المنسوبة إليها. وفي جلسة النطق بالحكم، أصدرت المحكمة حكمًا قويًا، بفرض غرامة مالية كبيرة قدرها مليون درهم. تم احتساب العقوبة على أساس عدد العمال المتورطين في المخطط الاحتيالي، حيث تتعدد الغرامة بتعدد العمال العشرة الذين تم توظيفهم بشكل صوري. كما ألزمت المحكمة الشركة بدفع الرسوم القضائية المستحقة، مسجلةً انتصارًا ابتدائيًا حاسمًا للنيابة العامة.

تحول مفاجئ في مرحلة الاستئناف

سعيًا منها لإلغاء الإدانة، تقدمت الشركة بطعن على الحكم. انتقلت القضية بعد ذلك إلى محكمة الاستئناف، حيث اتخذت المعركة القانونية منحى غير متوقع. لم تتعمق محكمة الاستئناف في موضوع تهمة التوطين الصوري نفسها، بل ركزت على نقطة إجرائية حاسمة. في حكمها، ألغت محكمة الاستئناف قرار المحكمة الابتدائية وقضت بعدم جواز نظر الدعوى الجزائية برمتها. وكان سبب هذا الإجراء الجذري هو استنتاج المحكمة بأن الدعوى قد حُرّكت "بغير الطريق الذي رسمه القانون".

استند هذا القرار إلى المادة 60، الفقرة 3 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 33 لسنة 2022 بشأن تنظيم علاقات العمل. تنص هذه المادة على أنه لا يجوز تحريك الدعوى الجزائية عن جريمة التوطين الصوري إلا بناءً على طلب كتابي من وزير الموارد البشرية والتوطين أو من يفوضه. وخلصت محكمة الاستئناف إلى أن مثل هذا الطلب الصحيح لم يكن موجودًا، مما يعني أن النيابة العامة تصرفت دون التفويض المسبق اللازم، الأمر الذي يجعل الإجراءات بأكملها باطلة منذ البداية.

طعن النيابة العامة أمام المحكمة العليا

رفضًا لانهيار القضية بناءً على ما اعتبرته تفسيرًا إجرائيًا خاطئًا، صعّدت النيابة العامة الأمر إلى محكمة النقض. وفي طعنها، جادلت النيابة بأن محكمة الاستئناف أخطأت في تطبيق القانون بشكل جوهري، مؤكدة أن طلبًا صحيحًا وكافيًا من الناحية القانونية كان قد قُدم بالفعل.

ارتكزت حجة النيابة على دليلين رئيسيين:

  1. الشكوى الرسمية: قُدمت شكوى رسمية من وزارة الموارد البشرية والتوطين، وهي التي أطلقت شرارة التحقيق الجنائي.

  2. القرار الوزاري رقم 581 لسنة 2024: فوّض هذا القرار صراحةً صلاحية طلب تحريك الدعاوى الجزائية في جرائم التوطين الصوري لعدد من كبار مسؤولي الوزارة. وكان من بين هؤلاء المفوضين مدير إدارة التحقيق والمتابعة.

أثبتت النيابة العامة أن الشكوى التي قُدمت إليها كانت موقعة من قبل مدير إدارة التحقيق والمتابعة نفسه. وبناءً على ذلك، جادلت بأن الطلب قد صدر من شخص يتمتع بالصفة القانونية اللازمة، مما يفي بمتطلبات القانون. وأكدت أن هذا الإجراء قد أزال القيد الإجرائي عن النيابة العامة، ومكّنها من مباشرة الدعوى.

حكم محكمة النقض الحاسم

راجعت محكمة النقض الحجج والقوانين المعمول بها بدقة. وأقرت المحكمة بالمبدأ القانوني القائل بأن بعض الجرائم تتطلب شكوى خاصة لبدء الملاحقة القضائية. ومع ذلك، فقد انحازت بالكامل إلى تفسير النيابة العامة للوقائع.

كان منطق المحكمة واضحًا ومباشرًا. فقد أكدت أن المادة 60/3 من قانون العمل تفرض بالفعل قيدًا. ثم درست القرار الوزاري رقم 581 لسنة 2024 ووجدته أداة تفويض صحيحة. فمن خلال تفويض مدير إدارة التحقيق والمتابعة بتقديم مثل هذه الطلبات، أنشأ الوزير قناة إجرائية واضحة.

وبما أن الشكوى التي حركت الدعوى كانت موقعة من هذا المسؤول المعين، خلصت المحكمة إلى أن الطلب قُدم بشكل صحيح من طرف ذي صفة. وعليه، فقد تم استيفاء الشرط الإجرائي، ورُفع القيد عن النيابة العامة. وبالتالي، فإن قرار محكمة الاستئناف بعدم جواز نظر الدعوى كان خطأ في تطبيق القانون.

الحكم النهائي

قضت محكمة النقض بنقض الحكم المطعون فيه. ورأت أن خطأ محكمة الاستئناف قد حجبها عن التصدي للمسائل الموضوعية في القضية. وبناءً على ذلك، أمرت المحكمة العليا بإحالة القضية إلى محكمة الاستئناف لنظرها من جديد في موضوعها من قبل هيئة قضائية مغايرة. يضمن هذا القرار التاريخي أن مزاعم التوطين الصوري ضد الشركة ستُفصل فيها بشكل كامل، مما يعزز مبدأ أن المسارات الإجرائية، عند اتباعها بشكل صحيح، تمهد الطريق لتحقيق العدالة.

ID: 87a7d9c0...