→ العودة للأرشيف
حكم مكتبناقانون العملMarch 4th, 2025

الطعن 2-2025 نقض عمالي -مسيرة عقدين وحق لا يقبل التنازل: المحكمة ترفض الإقرار العام في نزاع حول مكافأة نهاية الخدمة

محكمة التمييز بدبي

حكم تاريخي بشأن مكافأة نهاية الخدمة وبطلان المخالصات العامة

في قرار قضائي بارز في مجال قانون العمل، أصدرت محكمة التمييز بدبي حكمًا باتًا يعزز المكانة المحمية لحقوق العمال، لا سيما الحق في مكافأة نهاية الخدمة. تعلقت القضية بعامل قضى أكثر من عقدين في خدمة إحدى الشركات، ليجد نفسه في معركة قانونية للمطالبة بمستحقاته المشروعة من صاحب العمل السابق. وقد رفض حكم المحكمة بشكل قاطع حجة الشركة بأن نموذج إلغاء الإقامة المعتاد، الذي وقّع عليه العامل، يشكل تنازلاً صحيحًا عن مستحقاته المالية.

📋 خلفية القضية: نهاية مسيرة مهنية

بدأت فصول القصة عندما أنهى موظف، كان قد التحق بالعمل لدى إحدى الشركات بتاريخ 6 أكتوبر 2002، علاقة عمله في 30 أبريل 2023. وبراتب شهري إجمالي قدره 64,500 درهم (منه 48,450 درهمًا كراتب أساسي)، كرس هذا الموظف أكثر من عشرين عامًا من حياته المهنية للشركة. عند انتهاء عقد عمله غير محدد المدة، كان يتوقع الحصول على كامل مستحقاته لنهاية الخدمة، وهو مبلغ كبير يعكس سنوات خدمته الطويلة. ومع ذلك، امتنعت الشركة عن سداد مستحقاته، وعلى الأخص مكافأة نهاية الخدمة.

اضطر العامل إلى اللجوء للقضاء، فأقام دعوى عمالية جزئية يطالب فيها بإلزام الشركة بأن تؤدي له مبلغ 923,914 درهمًا، بالإضافة إلى فائدة قانونية بواقع 5% من تاريخ المطالبة القضائية وحتى تمام السداد. نظرت محكمة أول درجة في القضية، ورغم إعلان الشركة قانونًا، إلا أنها تخلفت عن الحضور. وبناءً عليه، أصدرت المحكمة حكمًا بمثابة الحضوري، قضى بإلزام الشركة بأن تؤدي للعامل مبلغ 923,735 درهمًا، مع الفائدة المطلوبة والمصروفات.

⚖️ رحلة الاستئناف: حجج وعقبات إجرائية

لم ترتضِ الشركة بالحكم الابتدائي، فتقدمت بالاستئناف. وقبل الفصل في موضوع الدعوى، قررت محكمة الاستئناف ندب خبير لفحص المطالبات المالية، وكلفت الشركة المستأنفة بسداد أمانة الخبرة، إلا أنها تخلفت عن السداد، وطلبت الفصل في الاستئناف بحالته.

بعد ذلك، اتخذت محكمة الاستئناف خطوة استجواب الطرفين. تم استجواب الشركة حول ما إذا كانت قد سددت أي مبالغ للعامل كمكافأة نهاية خدمة. كما تم استجواب العامل لتوضيح كيفية استلامه لأجوره قبل أبريل 2023. بعد هذه الجلسة، أصدرت محكمة الاستئناف حكمها، حيث قضت بتعديل المبلغ المقضي به ليصبح 923,205 درهمًا، وتأييد الحكم الابتدائي فيما عدا ذلك، مع إلزام الشركة بمصاريف الاستئناف ومصادرة مبلغ التأمين.

⚡ التحدي الأخير: محكمة التمييز ودفاع المخالصة

صعّدت الشركة الأمر إلى محكمة التمييز، وهي أعلى هيئة قضائية. استند دفاعها بالكامل إلى حجة واحدة محورية: أن العامل وقّع على نموذج إلغاء الإقامة الرسمي، والذي اعتبرته الشركة إقرارًا نهائيًا باستلامه كافة مستحقاته وتنازله عن أي مطالبات مستقبلية. ودفعت الشركة بأن المحاكم الأدنى درجة قد أخطأت في تطبيق القانون، وقصّرت في التسبيب، وأخلّت بحقها في الدفاع من خلال تجاهل هذا الإقرار الموقع.

فحصت محكمة التمييز هذا الدفاع بعناية فائقة. وأسست منطوق حكمها على مبدأ أساسي في قانون العمل الإماراتي، كما نصت عليه المادة (57) من المرسوم بقانون اتحادي رقم 33 لسنة 2021 بشأن تنظيم علاقات العمل. وأكدت المحكمة مجددًا أن الحقوق المقررة للعمال بموجب هذا القانون تتعلق بالنظام العام، وتعتبر نصوصًا آمرة تمثل حدًا أدنى من الحماية لا يجوز مخالفتها. وبالتالي، فإن أي اتفاق أو صلح أو إبراء يهدف إلى الانتقاص من هذه الحقوق يُعتبر باطلاً بطلانًا مطلقًا، بغض النظر عن تاريخ إبرامه.

كما أوضحت المحكمة المعيار القانوني للإقرار أو التنازل الصحيح. فلكي يكون الإقرار ملزمًا قانونًا، يجب أن يكون صريحًا وقاطعًا، ولا يترك مجالاً للشك حول الحق المحدد الذي يتم التصالح بشأنه. يجب أن يفيد الإقرار ثبوت الحق في ذمة المُقِر على سبيل الجزم واليقين.

وبتطبيق هذا المعيار على نموذج إلغاء الإقامة، وجدته محكمة التمييز غير كافٍ على الإطلاق. فقد لاحظت أن هذه النماذج المطبوعة، الصادرة عن الجهة المختصة والمطلوبة لإتمام الإجراءات الإدارية، لا تتضمن بيانًا تفصيليًا لحقوق العامل وقيمة كل منها على سبيل التحديد. بل تحتوي على عبارات عامة ومجملة. وعليه، قضت المحكمة بأن مثل هذا المستند العام، الذي غالبًا ما يتم توقيعه تحت ضغط الحاجة العملية لإنهاء الوضع القانوني في الدولة، لا يمكن اعتباره تسوية ملزمة أو دليلاً على استلام العامل لمستحقاته المالية المحددة.

الحكم النهائي

خلصت المحكمة إلى أن حجة الشركة لا تقوم على أساس. فتوقيع العامل على نموذج إلغاء الإقامة لا يعفي صاحب العمل من التزامه بدفع مكافأة نهاية الخدمة، وهي حق جوهري يحميه النظام العام. إن عبء الإثبات يقع على عاتق صاحب العمل لتقديم دليل مستقل وواضح – مثل اتفاقية تسوية محددة تفصل المبلغ المدفوع – لإثبات وفائه بالتزامه. وبما أن الشركة فشلت في تقديم أي دليل من هذا القبيل، فقد تم رفض طعنها. وبذلك، تم تأييد حكم محكمة الاستئناف، مؤكدًا على أحقية العامل في مستحقاته، ومرسخًا لمبدأ أن النماذج الإجرائية العامة لا يمكن استخدامها للتحايل على حقوق العمل الأساسية.

ID: 94263ab6...