→ العودة للأرشيف
حكم مكتبناالقانون الجزائيFebruary 18th, 2026

الجدول الزمني الشبح: محكمة التمييز تنقض إدانة في قضية غسل أموال بقيمة 9 ملايين درهم

محكمة التمييز بدبي

الجدول الزمني الشبح: محكمة التمييز تنقض إدانة في قضية غسل أموال بقيمة 9 ملايين درهم

في تحول قضائي مذهل يؤكد على الأهمية الحاسمة للدقة الإجرائية في القانون الجنائي، نقضت محكمة التمييز في دبي حكم الإدانة الصادر بحق رجل حُكم عليه بحيازة ما يقرب من 9 ملايين درهم من الأموال التي اعتبرت ذات مصدر غير مشروع. وجدت المحكمة العليا خللاً جوهرياً في منطق المحاكم الأدنى درجة، حيث قضت بأن الإدانة استندت إلى أدلة من جدول زمني يتجاوز بكثير الفترة المحددة في لائحة الاتهام الرسمية. وقد أُحيلت القضية إلى محكمة الاستئناف لإعادة المحاكمة بالكامل أمام هيئة قضائية جديدة.

📋 خلفية القضية: جبل من الأموال المشبوهة

بدأت القصة عندما وجهت النيابة العامة اتهامات ضد رجل بحيازة مبلغ ضخم من المال في الفترة ما بين 1 يناير 2022 و 24 يوليو 2023. وكشفت التحقيقات أنه يمتلك حسابات بنكية شخصية متعددة بأرصدة كبيرة. وشمل تفصيل الأموال ما يلي:

  • 75,000 درهم في حساب لدى بنك أبوظبي الأول.

  • 40,000 درهم في حساب لدى بنك دبي التجاري.

  • مبلغ هائل قدره 6,998,353 درهم و 1,815,658 درهم في حسابين منفصلين لدى بنك حبيب زيورخ.

كان المبلغ الإجمالي الخاضع للتدقيق يبلغ 8,929,011 درهم. جادلت النيابة العامة بوجود دلائل وقرائن كافية تشير إلى أن مصدر هذه الأموال لم يكن مشروعاً، واتهمته بموجب قوانين دولة الإمارات العربية المتحدة الصارمة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

⚖️ الرحلة عبر المحاكم الابتدائية

نُظرت القضية أولاً أمام محكمة أول درجة (محكمة الجنح)، التي وجدت أن الأدلة التي قدمتها النيابة العامة كانت قاطعة. أصدرت المحكمة حكمًا بالإدانة، وفرضت عقوبة قاسية تمثلت في: السجن لمدة ستة أشهر، وغرامة تعادل قيمة الأموال غير المشروعة (8,929,011 درهم)، والإبعاد عن الدولة بعد تنفيذ العقوبة.

لم يرتدع الرجل المدان، فطعن على الحكم بالاستئناف. ومع ذلك، راجعت محكمة الاستئناف القضية ولم تجد سبباً لنقض الحكم الابتدائي. وفي جلسة عُقدت في أواخر عام 2025، أيدت حكم الإدانة والعقوبة المصاحبة له بالكامل، مما بدا وكأنه يختم مصير الرجل.

⚡ الطعن أمام المحكمة العليا: الموقف الأخير بناءً على نقطة قانونية

في مواجهة السجن والخراب المالي، أخذ الرجل قضيته إلى محكمة التمييز، وهي أعلى هيئة قضائية في الدولة. لم يكن دفاعه مجرد إنكار بسيط، بل كان طعناً قانونياً متطوراً يستهدف أساس الإدانة ذاته. استند طعنه إلى عدة حجج حاسمة:

  • القصور في التسبيب: استندت الإدانة إلى فهم وتطبيق خاطئ للقانون.

  • الإخلال بحق الدفاع: تجاهلت المحاكم الأدنى درجة الأدلة والحجج التي قدمها لإثبات براءته.

  • الخلل الجوهري: جادل بأن الحكم اعتمد على تقارير التحقيق المالي وأدلة المعاملات التي وقعت في فترات *سابقة* للإطار الزمني المحدد في لائحة الاتهام الرسمية (من يناير 2022 إلى يوليو 2023).

🔍 تدقيق محكمة التمييز والنتيجة التاريخية

أجرت محكمة التمييز مراجعة دقيقة لملف القضية، بما في ذلك أحكام المحاكم الأدنى درجة والأدلة التي استندت إليها. ووجدت أن حجج الطاعن كانت مقنعة. استند تحليل المحكمة إلى مبدأ أساسي منصوص عليه في المادة 217 من قانون الإجراءات الجزائية، والتي توجب أن يشتمل كل حكم بالإدانة على بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها، وأن يشير إلى نص القانون الذي حكم بموجبه.

اكتشفت المحكمة العليا أن المحاكم الأدنى درجة قد فشلت بالفعل في هذا الاختبار. فبينما كانت لائحة الاتهام مقتصرة تماماً على الفترة ما بين 2022 و 2023، فإن تقارير المعلومات المالية المستشهد بها في الحكم تضمنت تفاصيل عن معاملات وأنشطة مشبوهة تعود لسنوات مضت، بما في ذلك 2009، 2013، 2015، 2020، و 2021.

أوضحت محكمة التمييز أنه بالاعتماد على هذه البيانات التاريخية لإثبات جريمة يُزعم أنها وقعت في 2022-2023، تكون المحاكم الأدنى درجة قد أدانت الرجل فعلياً عن وقائع وأحداث لم يتم اتهامه بها رسمياً. فشل الحكم في عزل وإثبات الطبيعة غير المشروعة للأموال التي دخلت حساباته *على وجه التحديد خلال فترة الاتهام*. لم يقدم صلة واضحة ومباشرة بين الأدلة والجريمة المحددة كما هي واردة في الاتهام.

الحكم: نقض الإدانة والأمر بإعادة المحاكمة

في حكمها النهائي، خلصت محكمة التمييز إلى أن هذا الخطأ الإجرائي لم يكن مجرد تفصيل فني بسيط، بل كان عيباً قاتلاً جعل الإدانة غير سليمة من الناحية القانونية. افتقر الحكم إلى الوضوح والتحديد الذي يقتضيه القانون، مما جعل من المستحيل على المحكمة العليا ممارسة رقابتها والتحقق من صحة تطبيق القانون على الوقائع.

وبناءً على ذلك، أصدرت المحكمة الأمر التالي:

  1. نقض الحكم المطعون فيه.

  2. إحالة القضية مرة أخرى إلى محكمة الاستئناف.

  3. يجب على محكمة الاستئناف إعادة نظر الدعوى من قبل هيئة قضائية مشكلة من قضاة آخرين.

يعيد هذا القرار المعركة القانونية إلى نقطة البداية، مما يمنح المتهم فرصة أخرى للدفاع عن نفسه. وسيتعين على النيابة العامة الآن إثبات قضيتها بالتركيز الصارم على الأدلة التي تقع ضمن الجدول الزمني المحدد قانوناً للجريمة المزعومة. ويعتبر هذا الحكم تذكيراً قوياً بأنه في سعينا لتحقيق العدالة، فإن الإجراءات لا تقل أهمية عن النتيجة.

ID: 9a9a64f1...