نزاع حول تشييد فيلا: المحكمة تفصل في المسؤوليات المشتركة وتنهي الخلاف بين المالك والمقاول
محكمة ابوظبي التجارية - ابتدائي - الدائرة التجارية البسيطة السادسة
حلم بناء فيلا يتحول إلى ساحة نزاع قضائي
في قرار قضائي مفصّل، أسدلت محكمة أبوظبي التجارية الابتدائية الستار على نزاع معقد نشأ حول تشييد فيلا سكنية خاصة في أبوظبي، شمل المالك والمقاول الرئيسي والاستشاري الهندسي للمشروع. وبعد دراسة دقيقة لشبكة من الدعاوى والدعاوى المتقابلة، خلصت المحكمة إلى أن كلاً من المالك والمقاول يتحملان مسؤولية مشتركة عن التأخير الكبير الذي عرقل إنجاز المشروع، وأصدرت حكمًا يوازن الالتزامات المالية بين جميع الأطراف.
خلفية النزاع: مشروع خرج عن مساره
بدأت القصة في أواخر عام 2021، عندما أبرم مالك عقار عقد مقاولة بالمقطوعية بقيمة تقارب 2.76 مليون درهم مع شركة مقاولات عامة لبناء فيلا سكنية في منطقة الشوامخ بأبوظبي. كان من المقرر أن يستغرق المشروع 16 شهرًا، وينتهي في أوائل عام 2023. ولكن مع اقتراب المشروع من مراحله النهائية، تدهورت العلاقة بين الطرفين بشكل كبير.
بادر المقاول برفع دعوى قضائية، مدعيًا أن المالك أخل بالتزاماته التعاقدية. وأفاد المقاول بأنه أنجز جميع الأعمال المتفق عليها دون تأخير، لكنه واجه عراقيل كبيرة من المالك الذي قام، حسب ادعائه، بسحب بعض بنود المشروع وتأخر في منح الموافقات اللازمة. تمحورت شكوى المقاول الرئيسية حول رفض المالك التوقيع على المخططات النهائية لدى الاستشاري الهندسي، وهي خطوة ضرورية للحصول على شهادة إتمام المباني. واعتبر المقاول هذا الرفض مناورة من المالك للتهرب من سداد الدفعة الأخيرة البالغة 545,387 درهمًا. وبناءً على ذلك، طالب المقاول بسداد هذا المبلغ، بالإضافة إلى تعويض قدره 50,000 درهم عن الأضرار والإفراج عن الكفالة البنكية للمشروع.
الهجوم المضاد من المالك
ردًا على ذلك، قدم مالك الفيلا دعوى متقابلة قوية، لم ينكر فيها ادعاءات المقاول فحسب، بل أدخل أيضًا الاستشاري الهندسي للمشروع كخصم في النزاع. قدم المالك رواية مختلفة تمامًا، تصور مقاولًا بطيئًا في عمله، وقدم أعمالًا معيبة، وكان السبب الرئيسي في تأخير المشروع. وطالبت دعواه المتقابلة بمبلغ يزيد عن 564,000 درهم من المقاول، ويشمل:
276,098 درهمًا كغرامات تأخير.
170,000 درهم كتعويض عن استئجاره مسكنًا بديلاً.
118,734.5 درهمًا لتغطية فروقات أسعار المواد.
علاوة على ذلك، اتهم المالك الاستشاري بالفشل في أداء واجباته الإشرافية، وطالب بفسخ عقده واسترداد 10% من أتعاب الإشراف. وفي مواجهة هذه الاتهامات، قدم الاستشاري، الذي أصبح طرفًا في النزاع، دعوى فرعية ضد كل من المالك والمقاول للمطالبة بأتعابه المهنية غير المدفوعة التي بلغت حوالي 98,500 درهم.
تقرير الخبير: المسؤولية مشتركة
أمام الروايات المتضاربة، عينت المحكمة خبيرًا هندسيًا مستقلاً لتقصي الحقائق وتحديد الوضع الفعلي للمشروع. وأصبح تقرير الخبير حجر الزاوية في حكم المحكمة النهائي. بعد مراجعة شاملة للموقع والعقود والمراسلات، خلص الخبير إلى أنه لا يمكن إلقاء اللوم على طرف واحد. فقد كان التأخير نتيجة لسلسلة من الإخفاقات المتبادلة:
أخطاء المقاول: لاحظ الخبير وجود بطء واضح في وتيرة العمل، وحدد العديد من العيوب في الأعمال المنجزة، وأكد أن المقاول قام في إحدى المراحل بمنع المالك والاستشاري من دخول موقع المشروع.
أخطاء المالك: وجد الخبير أن المالك ساهم بشكل كبير في التأخير من خلال التأخر في السداد والموافقات، واستخدامه عمالة خارجية في الموقع، والتباطؤ في اتخاذ قرارات بشأن الديكور الداخلي، والأهم من ذلك، رفضه التوقيع على المخططات النهائية اللازمة لإتمام المشروع.
كان تقييم الخبير المحايد أن كلا الطرفين مسؤولان بالتساوي عن خروج المشروع عن مساره. ومن الناحية المالية، حسب التقرير أن المبلغ الصافي المستحق للمقاول من المالك، بعد خصم قيمة العيوب والأعمال غير المكتملة، هو 341,538 درهمًا.
حكم المحكمة النهائي
بناءً على تقرير الخبرة الشامل، أصدرت المحكمة قرارًا متوازنًا ودقيقًا.
في الدعوى الأصلية (المقاول ضد المالك)
أمرت المحكمة المالك بأن يدفع للمقاول المبلغ الذي حدده الخبير وهو 341,538 درهمًا، مع فائدة سنوية بنسبة 3%. ورُفض طلب المقاول للحصول على تعويض إضافي، حيث رأت المحكمة أن مساهمته في التأخير تجرده من الحق في التعويض. ومع ذلك، أمرت المحكمة بالإفراج عن كفالة حسن الأداء للمقاول البالغة 200,000 درهم.
في الدعوى المتقابلة (المالك ضد المقاول والاستشاري)
قامت المحكمة بتفنيد دعوى المالك المتقابلة بشكل منهجي. تم رفض المطالبة بغرامات التأخير استنادًا إلى مبدأ قانوني أساسي: لا تُفرض هذه الغرامات إلا عند اكتمال المشروع وتسليمه متأخرًا. وبما أن المشروع لم يكتمل إلا بنسبة 97.11%، فإن المطالبة كانت غير صالحة. كما رُفضت المطالبات المتعلقة بتكاليف المواد والإيجار لأن تصرفات المالك نفسه كانت سببًا مباشرًا في التأخير. ومع ذلك، استجابت المحكمة لطلب المالك بإلزام المقاول بتسليم جميع فواتير الدفعات. كما انهارت قضية المالك ضد الاستشاري، حيث وجد الخبير أن إشرافه كان كافيًا. وحُكم على المالك بتحمل التكاليف القانونية لهذه الدعوى الخاسرة.
في الدعوى الفرعية (الاستشاري ضد المالك والمقاول)
أيدت المحكمة مطالبة الاستشاري بأتعابه غير المدفوعة. وبناءً على حسابات الخبير، أمرت المحكمة المالك بدفع مبلغ 30,188 درهمًا للاستشاري، وأمرت المقاول بدفع مبلغ 13,125 درهمًا للاستشاري، وبذلك حمّلت كلا الطرفين مسؤولية ديونهما المستحقة، بالإضافة إلى فائدة سنوية بنسبة 3%.
في نهاية المطاف، كان الحكم بمثابة تذكير قوي بأن المسؤولية في عقود البناء المعقدة هي طريق ذو اتجاهين. وقد سمح اعتماد المحكمة على خبير محايد بتجاوز الاتهامات المتبادلة والتوصل إلى حل عادل قائم على الإخفاقات الموثقة لجميع الأطراف المعنية.