الطلب رقم 3 لسنة 2026 هيئة عامة مدني / حكاية محكمتين: محكمة النقض في أبوظبي تحسم الخلاف القضائي حول الاختصاص مع سوق أبوظبي العالمي
محكمة النقض بأبوظبي
حكاية محكمتين: محكمة النقض في أبوظبي تحسم الخلاف القضائي حول الاختصاص مع سوق أبوظبي العالمي
في قرار تاريخي يهدف إلى تعزيز اليقين والاستقرار القانوني، أصدرت الهيئة العامة بمحكمة النقض في أبوظبي قراراً حاسماً لتوحيد المبادئ القضائية المتعارضة بشأن الاختصاص القضائي لمحاكم سوق أبوظبي العالمي. يعالج هذا القرار الغموض الذي كان يكتنف بعض المسائل الجوهرية والذي أدى إلى صدور أحكام متباينة في المنازعات المدنية والتجارية، مقدماً بذلك خريطة طريق واضحة للشركات والمصارف والممارسين القانونيين الذين يتعاملون مع المشهد القضائي المزدوج في إمارة أبوظبي.
📋 إشكالية الاختصاص القضائي
عُرض الموضوع على الهيئة العامة بناءً على طلب مقدم من رئيس الدائرة التجارية الثانية بمحكمة النقض، حيث لوحظ أن دوائر مختلفة في المحكمة قد أصدرت مبادئ قضائية متعارضة حول نطاق اختصاص محاكم سوق أبوظبي العالمي، مما خلق حالة من عدم اليقين القانوني. تمحور هذا التعارض حول مسألتين رئيسيتين: الطبيعة القانونية لخطابات الضمان المرتبطة بعقود يتم تنفيذها داخل السوق، والتعريف الدقيق لما يشكل "مؤسسة من مؤسسات سوق أبوظبي العالمي" لأغراض تحديد الاختصاص.
فقد تبنى اتجاه قضائي مقاربة واسعة، حيث دمج خطاب الضمان مع عقد المقاولة الأساسي الذي يضمنه. وبموجب هذا الرأي، إذا كان العقد الرئيسي يُنفذ داخل سوق أبوظبي العالمي، فإن أي نزاع حول الضمان يقع تلقائياً ضمن اختصاص محاكم السوق، حتى لو كان البنك المصدر للضمان يقع مقره خارج نطاق السوق. في المقابل، تبنى اتجاه قضائي آخر مبدأ استقلالية خطاب الضمان، معتبراً إياه عقداً منفصلاً بين البنك المصدر والمستفيد. ووفقاً لهذا التفسير، فإن النزاعات المتعلقة بالضمان نفسه تنظرها محاكم أبوظبي العادية "البرية"، مما يقطع الصلة القضائية بالمشروع القائم في السوق.
وظهر تعارض مماثل فيما يتعلق بهوية الشركات. فبعض الأحكام منحت الاختصاص لمحاكم السوق بناءً على الموقع الفعلي للشركة ضمن الحدود الجغرافية للمنطقة الحرة المالية، مثل جزيرة الريم. بينما اتخذت أحكام أخرى نهجاً أكثر صرامة وشكلية، مؤكدة على أن الشركة لا يمكن اعتبارها "مؤسسة سوق" إلا إذا كانت مسجلة أو مرخصة رسمياً من قبل إحدى سلطات سوق أبوظبي العالمي. هذا الافتقار إلى معيار موحد خلق تحديات كبيرة للمتقاضين في تحديد المحكمة المختصة بنزاعاتهم.
🔍 تحليل المحكمة وتوحيد المبادئ
إدراكاً للحاجة الماسة للوضوح، قامت الهيئة العامة بمحكمة النقض بمراجعة شاملة للتشريعات ذات الصلة، وعلى رأسها المادة (13) من القانون رقم (4) بشأن سوق أبوظبي العالمي وتعديلاته. وسعت المحكمة إلى توحيد تفسير هذه المادة الجوهرية للقضاء على التناقضات القائمة. وقد أرسى القرار النهائي للهيئة مجموعة من المبادئ الواضحة والملزمة.
المبدأ الأول: أسباب انعقاد الاختصاص المتساوية
أوضحت المحكمة أن القانون يحدد عدة أسباب متساوية ومستقلة لاختصاص محاكم سوق أبوظبي العالمي في المسائل المدنية والتجارية. وينعقد الاختصاص إذا تحقق أي شرط من الشروط التالية:
أن تكون الدعوى متعلقة بالسوق نفسه أو أي من سلطاته أو مؤسساته كطرف في الدعوى.
أن ينشأ النزاع عن عقد أو معاملة تم إبرامها أو تنفيذها أو إتمامها، كلياً أو جزئياً، داخل سوق أبوظبي العالمي.
أن يتعلق النزاع بواقعة حدثت، كلياً أو جزئياً، داخل سوق أبوظبي العالمي.
وأكد الحكم أن هذه الشروط هي بدائل وليست شروطاً تراكمية. ويكفي تحقق أي منها لانعقاد الاختصاص لمحاكم السوق.
المبدأ الثاني: الطبيعة المزدوجة لنزاعات خطابات الضمان
حسمت الهيئة العامة الجدل حول خطابات الضمان بشكل قاطع من خلال التمييز الواضح التالي:
النزاع بين صاحب المشروع (المستفيد) والمقاول (الآمر) حول الحق في تسييل الضمان، والذي يستند إلى عقدهما الأساسي (مثل عقد مقاولة) المنفذ في سوق أبوظبي العالمي، يقع ضمن اختصاص محاكم سوق أبوظبي العالمي. وذلك لأن النزاع ناشئ عن العقد المرتبط بالسوق.
النزاع بين البنك المصدر للضمان والمستفيد حول صرف قيمة الضمان يعتبر مسألة مستقلة. هذا النزاع يقع ضمن اختصاص المحاكم العادية (البرية)، باعتبار أن خطاب الضمان هو صك قانوني منفصل. الاستثناء الوحيد هو إذا كان أحد أطراف هذا النزاع تحديداً (كالبنك نفسه) مؤسسة مسجلة في سوق أبوظبي العالمي.
المبدأ الثالث: التسجيل هو المعيار وليس الموقع
اعتمدت المحكمة النهج الشكلي كمعيار حاسم. فلكي تُعتبر الشركة "مؤسسة سوق" لأغراض الاختصاص، فإن مجرد وجودها المادي في المنطقة الجغرافية لا يكفي. العامل الحاسم هو ما إذا كان فرع الشركة المعني بالنزاع مرخصاً أو مسجلاً رسمياً من قبل سلطات سوق أبوظبي العالمي للعمل داخل نطاقه. ولا يمتد هذا الاختصاص إلى فروع الشركة الأخرى أو مركزها الرئيسي الواقع خارج النطاق التنظيمي للسوق.
المبدأ الرابع: تأكيد حرية الاتفاق على الاختصاص
أخيراً، أعادت المحكمة تأكيد مبدأ سلطان الإرادة. حيث أكدت أنه يجوز للأطراف، حتى أولئك الذين ليس لديهم أي صلة جوهرية بالسوق، الاتفاق كتابةً على إخضاع نزاعاتهم المدنية أو التجارية لاختصاص محاكم سوق أبوظبي العالمي. توفر آلية "الاختيار" هذه منتدى مرناً ويمكن التنبؤ به للشركات الدولية والمحلية التي تسعى لحل نزاعاتها ضمن الإطار القانوني الأنجلوسكسوني للسوق.
⚖️ عهد جديد من اليقين القانوني
يضع هذا الحكم التاريخي الصادر عن الهيئة العامة بمحكمة النقض حداً مرحباً به لفترة من الغموض القضائي. فمن خلال توفير مبادئ واضحة وموثوقة وملزمة، عززت المحكمة الإطار القانوني لإمارة أبوظبي، ورسخت مكانتها كمركز رائد للتجارة وتسوية المنازعات. يمكن للشركات الآن المضي قدماً بثقة أكبر، مع العلم بأن القواعد التي تحكم الاختصاص القضائي أصبحت واضحة ومتسقة ويمكن التنبؤ بها.