→ العودة للأرشيف
حكم مكتبناالقانون الجزائيFebruary 26th, 2026

حكم استئناف جزائي رقم 5-2025 العين ما وراء ازدواجية التجريم: المحكمة تكشف عن مخطط اختلاس ثانٍ لموظف

محكمة العين الجزائية - الدائرة الاستئنافية الأولى

ما وراء ازدواجية التجريم: المحكمة تكشف عن مخطط اختلاس ثانٍ لموظف

في سياق قضائي دقيق يبرز جوهر العدالة، ألغت محكمة العين الجزائية الاستئنافية حكم براءة صادر عن محكمة أول درجة، وأدانت موظفًا في قضية اختلاس ثانية ومستقلة من شركة استشارات هندسية كان يعمل بها. واستند قرار المحكمة الاستئنافية إلى التمييز الحاسم بين فعلين إجراميين منفصلين، رافضةً بذلك الدفع بقوة الأمر المقضي به الذي تمسك به الدفاع.

📋 خلفية القضية: حكاية سرقتين

بدأت فصول القضية عندما وجهت النيابة العامة تهمة الاختلاس لموظف في شركة استشارات هندسية مرموقة. اتُهم الموظف بالاستيلاء على مبالغ مالية كبيرة سُلّمت إليه بحكم وظيفته. كانت تلك الأموال قد حُصّلت من عملاء الشركة، ولكنها لم تجد طريقها إلى خزائن الشركة، بل اختفت، حيث يُزعم أن الموظف استولى عليها لنفسه، مما ألحق ضررًا مباشرًا بصاحب العمل.

لكن القضية واجهت تحديًا قانونيًا فريدًا. ففي حكم صدر في أواخر عام 2025، قضت محكمة أول درجة بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها. اعتقدت المحكمة أن الموظف قد حوكم وأُدين بالفعل عن الجريمة ذاتها في قضية سابقة. وبذلك، برأت المحكمة الموظف من التهم الجديدة، على أساس أنه لا يجوز معاقبة شخص عن ذات الفعل مرتين.

⚡ استئناف النيابة العامة: نظرة أعمق على الأدلة

لم ترتضِ النيابة العامة بحكم البراءة، فطعنت عليه بالاستئناف، مؤكدة أن محكمة أول درجة أخطأت في فهم وقائع الدعوى وفي تطبيق القانون. استندت النيابة في طعنها إلى حقيقة بسيطة وقوية: الجريمتان مختلفتان. وقدمت أدلتها بدقة، راسمةً خطًا فاصلًا وواضحًا بين القضيتين:

  • القضية السابقة: شملت وقائع اختلاس وقعت على مدى عدة أشهر في عام 2025. وكشفت التحقيقات عن مجموعة محددة من سندات القبض، من الرقم 8101 إلى 8138، مرتبطة بمبالغ مختلسة بلغت حوالي 73,967 درهمًا. وقد أُدين الموظف عن هذه الأفعال تحديدًا.

  • القضية الحالية: تتعلق هذه القضية، وهي موضوع الاستئناف، بفترة زمنية مختلفة تمامًا، امتدت من أوائل عام 2024 إلى أواخره. وأشارت الأدلة إلى سلسلة مختلفة من سندات القبض، من الرقم 7752 إلى 7799، وتضمنت اختلاس مبلغ مختلف، بلغ حوالي 74,350 درهمًا.

دفعت النيابة بأن هاتين الواقعتين تمثلان مخططين إجراميين منفصلين، يختلفان في التوقيت والوسيلة (استخدام دفاتر سندات قبض مختلفة) والمبالغ المالية. وبناءً على ذلك، فإن مبدأ حجية الأمر المقضي لا ينطبق هنا، وقرار المحكمة الابتدائية برفض الدعوى كان خطأً جسيمًا.

⚖️ التحليل القانوني للمحكمة الاستئنافية

تعمقت محكمة الاستئناف في دراسة الأدلة التي أغفلتها محكمة أول درجة. وأكد القضاة على المبدأ القانوني الراسخ بأن حجية الأحكام تقتضي وحدة الخصوم والموضوع والسبب. وفي هذه الحالة، كان السبب مختلفًا.

وقد جاء في حيثيات الحكم: "من المقرر قضاءً أن مناط حجية الأحكام هي بوحدة الخصوم والموضوع والسبب، ويجب للقول باتحاد السبب أن تكون الواقعة التي يحاكم المتهم عنها هي بعينها الواقعة التي كانت محلًا للحكم السابق. ولا يكفي أن تكون الواقعتان كلتاهما حلقة في سلسلة وقائع ارتكبها المتهم."

وخلص قضاة الاستئناف إلى أن محكمة أول درجة وقعت في "فساد في الاستدلال" عندما فشلت في تمحيص أوراق الدعوى. فالمراجعة الدقيقة كشفت أن القضيتين منفصلتان تمامًا. فأفعال الاختلاس التي وقعت في عام 2024 تختلف عن تلك التي وقعت في عام 2025. وبهذا الاستنتاج، ألغت المحكمة الحكم الإجرائي السابق ومضت قدمًا للنظر في موضوع الدعوى.

🔍 كشف ملابسات الجريمة

بعد إقرار اختصاصها، انتقلت المحكمة إلى فحص أدلة قضية الاختلاس الثانية. استندت الإدانة إلى ركنين قويين:

  1. شهادة الشهود: شهد شريك وممثل قانوني للشركة بأن الموظف، خلال فترة عمله من منتصف 2022 إلى منتصف 2025، كان مسؤولًا عن التعاملات المالية مع العملاء. وكشفت مراجعة حسابات عام 2024 عن وجود مخالفات. وأوضح الشريك أن الموظف أصدر سندات قبض رسمية للعملاء، لكنه لم يقم بتوريد المبالغ المحصلة، وقدرها 74,350 درهمًا، إلى قسم المحاسبة بالشركة.

  2. تقرير الخبرة: أكد تقرير خبرة محاسبي مفصل شهادة الشريك. حيث أثبت التقرير أن الموظف استخدم دفتر سندات قبض محددًا، وحصّل خلال الفترة من يناير إلى ديسمبر 2024 المبلغ المذكور من العملاء دون أن يورده لخزينة الشركة.

أنكر الموظف التهم الموجهة إليه، ودفع محاميه بانتفاء أركان جريمة الاختلاس. لكن المحكمة رفضت هذا الدفع بشكل قاطع، موضحة أن جريمة الاختلاس تتحقق بمجرد أن يغير الأمين حيازته الناقصة للمال إلى حيازة كاملة بنية التملك. ولا يشترط القانون وقوع ضرر فعلي، بل يكفي أن يكون الضرر محتملًا. وقد أظهرت الأدلة بشكل قاطع أن الموظف قد استولى على أموال الشركة لصالحه، خانًا بذلك الأمانة التي أُوكلت إليه.

🏛️ الحكم النهائي

بناءً على الأدلة الدامغة والتمييز الواضح بين القضيتين الجنائيتين، قررت محكمة العين الاستئنافية بالإجماع ما يلي:

  1. قبول الاستئناف المقدم من النيابة العامة شكلًا.

  2. إلغاء الحكم الابتدائي الصادر بالبراءة عن محكمة أول درجة.

  3. إدانة الموظف بجريمة الاختلاس وفقًا للمادة 453/1 من قانون الجرائم والعقوبات الاتحادي.

  4. معاقبته بتغريمه مبلغ 10,000 درهم.

  5. إلزام الموظف المدان بالرسوم القضائية المستحقة.

يُعد هذا الحكم تذكيرًا هامًا بأن النظام القضائي مصمم للنظر إلى ما هو أبعد من التشابهات السطحية، وأن كل فعل إجرامي سيُحاكم بناءً على وقائعه وأدلة إثباته الخاصة.

ID: d737f4d8...