→ العودة للأرشيف
حكم مكتبناقانون الأحوال الشخصيةNovember 5th, 2025

(الطعن رقم 874 لسنة 2025 أحوال شخصية)المحكمة العليا تؤيد حضانة الأم لأبنائها من أصحاب الهمم استناداً إلى مصلحتهم الفضلى

محكمة نقض أبوظبي

طعن أب لإنهاء الحضانة والمهر: مصلحة الأبناء من أصحاب الهمم تسمو فوق كل اعتبار

في قضية ذات أبعاد إنسانية وقانونية عميقة، أصدرت محكمة النقض حكماً فاصلاً يؤكد على أولوية رعاية الأطفال من أصحاب الهمم، ويرسخ مبدأ أن مصلحتهم الفضلى تتجاوز القواعد المعيارية للحضانة المرتبطة بالسن. رفضت المحكمة طعن أب كان يهدف من خلاله إلى إنهاء حضانة مطلقته لأبنائهما، وجميعهم من أصحاب الهمم، والطعن على قيمة مؤخر الصداق الذي تم الحكم به سابقاً.

📋 خلفية النزاع: معركة قضائية بعد الطلاق

بدأت فصول هذه القضية عندما أقام أب دعوى قضائية بعد طلاقه من زوجته. كان للزوجين عدة أبناء، تم تشخيصهم جميعاً بإعاقات ذهنية وحصلوا على بطاقات "أصحاب الهمم" التي تثبت حالتهم. بعد الانفصال، ترتبت على الأب التزامات مالية شملت نفقات الأبناء ومؤخر صداق بقيمة 150,000 درهم لصالح الأم.

وفي محاولة منه لتغيير هذا الواقع القانوني، لجأ الأب إلى محكمة أبوظبي للأسرة بدعوى جديدة تضمنت طلبات متعددة:

  • إسقاط الحضانة: دفع بأن أبناءه قد تجاوزوا السن القانونية للحضانة، حيث بلغ بعضهم سن الثامنة عشرة، بينما بلغ أحد الأبناء سن الخامسة عشرة، وهو سن التخيير.

  • إلغاء النفقات: بناءً على طلبه الأول، طالب بإلغاء كافة النفقات المرتبطة بالحضانة، بما في ذلك أجر الخادمة وأجر المسكن ومصاريف الحضانة الأخرى.

  • تخفيض مؤخر الصداق: في ادعاء خطير، زعم الأب أن عقد الزواج قد تم تزويره من قبل مطلقته، وأن قيمة مؤخر الصداق الحقيقية هي 50,000 درهم فقط، وأنها أضافت رقماً ليصبح 150,000 درهم. وطلب من المحكمة التحقيق في واقعة التزوير وتخفيض المبلغ.

⚖️ دفاع الأم وقرارات المحاكم الأدنى درجة

قدمت الأم دفاعاً قوياً، ركزت فيه على الظروف الاستثنائية لأبنائها. استندت إلى تقارير طبية رسمية وبطاقات "أصحاب الهمم" كدليل قاطع على حالتهم الصحية التي تتطلب رعاية مستمرة. ودفعت بأن المادة 123 من قانون الأحوال الشخصية تنص صراحة على استمرار الحضانة لمن يعاني من مرض مقعد أو عارض من عوارض الأهلية، لأن حاجتهم للرعاية لا تنتهي ببلوغ سن معين.

وفيما يتعلق بمؤخر الصداق، أكدت الأم أن هذا الأمر قد حاز قوة الأمر المقضي به. فقد صدر حكم نهائي سابق من محكمة النقض أقر بأحقيتها في مبلغ 150,000 درهم، وهو حكم أقر فيه الأب نفسه بالمبلغ أمام لجنة الحكمين في تلك الدعوى السابقة. واعتبرت أن ادعاءه الجديد بالتزوير ليس سوى محاولة يائسة لإعادة فتح نزاع تم حسمه قضائياً بشكل بات.

أيدت محكمة أول درجة، ومن بعدها محكمة الاستئناف، موقف الأم. خلصت المحكمتان إلى أن مصلحة المحضونين هي الاعتبار الأسمى. ونظراً لإعاقتهم الموثقة، فإن بقاءهم في رعاية والدتهم المستمرة هو ما يحقق مصلحتهم الفضلى. كما رفضت المحكمتان طلب الأب المتعلق بمؤخر الصداق، عملاً بمبدأ حجية الأحكام القضائية النهائية. كان التعديل الوحيد الذي أقرته المحكمة هو إيقاف نفقة الابن الذي اختار الإقامة مع والده، وذلك اعتباراً من تاريخ المطالبة القضائية.

🔍 تحليل محكمة النقض والحكم النهائي

لم يرتضِ الأب بحكم الاستئناف، فصعّد النزاع إلى محكمة النقض، مدعياً وجود خطأ في تطبيق القانون وقصور في التسبيب. فحصت المحكمة العليا أسباب طعنه الثلاثة بدقة، وخلصت إلى أنها جميعاً لا تقوم على أساس صحيح من الواقع أو القانون.

بشأن الحضانة

أقرت المحكمة العليا صحة ما انتهت إليه المحاكم الأدنى درجة في تفسيرها للقانون. وسلطت الضوء على الاستثناء الجوهري الوارد في الفقرة الثانية من المادة 123 من قانون الأحوال الشخصية. ففي حين تنتهي الحضانة عادة ببلوغ المحضون سناً معيناً، فإن المشرّع أوجد استثناءً لحماية الفئات الأكثر ضعفاً، حيث تستمر الحضانة "إذا كان المحضون مجنوناً أو معتوهاً أو مريضاً مرضاً مقعداً". وفي هذه الحالات، تستمر الحضانة ما لم تقتضِ مصلحة المحضون خلاف ذلك. لم يقدم الأب أي دليل يثبت أن رعايته لأبنائه ستحقق مصلحتهم على نحو أفضل. وعليه، رأت المحكمة أن قرار إبقاء الأبناء في حضانة والدتهم كان سليماً وقائماً على أسباب سائغة، وأن جدل الطاعن في هذا الشأن هو جدل موضوعي لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض.

بشأن مؤخر الصداق وادعاء التزوير

استندت المحكمة إلى المبدأ القانوني الراسخ "حجية الأمر المقضي". وأوضحت أنه على الرغم من أن أحكام الأحوال الشخصية قد تكون مؤقتة بطبيعتها، إلا أنها تكتسب الحجية النهائية عندما يتم الفصل فيها بحكم بات من أعلى سلطة قضائية. الحكم السابق الذي قضى بأحقية الأم في مؤخر الصداق البالغ 150,000 درهم هو حكم نهائي. لم يقدم الأب أي ظروف جديدة أو أسباب مستجدة تبرر قانوناً إعادة نظر الدعوى. وبالتالي، فإن ادعاءه بالتزوير هو محاولة غير مقبولة للطعن في حكم حاز الحجية النهائية.

بشأن الالتزامات المالية

أما السبب الأخير للطعن، والذي زعم فيه الأب أن المحكمة ألزمته بمبالغ لم تكن محل طلب، فقد وجدته المحكمة قائماً على فهم خاطئ للحكم المطعون فيه. أوضحت محكمة النقض أن الحكم اقتصر على إيقاف نفقة الابن الذي انتقل للعيش معه، ولم يفرض عليه أي التزامات مالية جديدة، مما يجعل نعيه في هذا الشأن وارداً على غير محل.

الحكم النهائي

بناءً على ما سبق، قضت محكمة النقض برفض الطعن وتأييد الحكم المستأنف. ويُعد هذا الحكم تأكيداً قوياً على الحماية التي يوفرها القانون للفئات الأكثر احتياجاً، ويضمن أن تبقى مصلحة الأبناء، خاصة من أصحاب الهمم، هي البوصلة التي توجه كافة القرارات القضائية في مسائل الأحوال الشخصية.

ID: da4bc1c2...