قاعدة الثلاثة أرباع: المحكمة العليا تنقض حكمًا لقصوره في بحث نصاب الأغلبية الخاص في عقد التأسيس
المحكمة الاتحادية العليا
قاعدة الثلاثة أرباع: المحكمة العليا تنقض حكمًا لقصوره في بحث نصاب الأغلبية الخاص في عقد التأسيس
في حكم قضائي بارز يؤكد على سمو عقد تأسيس الشركة باعتباره القانون الأول الذي يحكم الشركاء، نقضت المحكمة الاتحادية العليا حكمًا صادرًا عن إحدى محاكم الاستئناف، معللة قرارها بالقصور الجوهري في تسبيب الحكم في نزاع محتدم بين شركاء في مدرسة خاصة. تمحورت القضية حول صحة القرارات الصادرة عن اجتماع الجمعية العمومية، وكان الخلاف الرئيسي يدور حول ما إذا كان النصاب القانوني المطبق هو النصاب العام المنصوص عليه في القانون أم الأغلبية المشددة التي اتفق عليها الشركاء في عقدهم التأسيسي.
📋 خلفية النزاع: انقسام في إدارة المدرسة
نشأ الخلاف داخل شركة ذات مسؤولية محدودة تدير مدرسة خاصة مرموقة. الشركاء، الذين كانوا متحدين في رسالتهم التعليمية، وجدوا أنفسهم منقسمين إلى فريقين متعارضين. بلغت التوترات ذروتها عند انعقاد اجتماع للجمعية العمومية لاتخاذ قرارات حاسمة من شأنها إعادة تشكيل إدارة المدرسة وتوجهها المستقبلي. حضر جميع الشركاء الاجتماع، لكن القرارات تم تمريرها دون موافقة إجماعية.
على الفور، قامت مجموعة من الشركاء المعارضين، من بينهم ورثة أحد الشركاء المؤسسين، بالطعن في نتائج الاجتماع. أقاموا دعوى قضائية أمام المحكمة الابتدائية مطالبين ببطلان القرارات الصادرة. لم تكن حجتهم مجرد خلاف على مضمون القرارات، بل استندت إلى مبدأ قانوني أساسي راسخ في عقد تأسيس شركتهم.
لقد جادلوا بأن القرارات باطلة لأنها لم تحز على الأغلبية الخاصة التي يشترطها العقد. على وجه التحديد، نصت المادة (21) من عقد تأسيس الشركة على أنه لصحة أي قرار، فإنه يتطلب موافقة شركاء يملكون ما لا يقل عن ثلاثة أرباع (75%) من رأسمال الشركة. وأكدوا أن القرارات قد تم تمريرها بأغلبية بسيطة، في انتهاك صارخ لهذا البند الجوهري.
⚖️ المسار القضائي في المحاكم الأدنى درجة
على الرغم من وضوح حجتهم، رفضت المحكمة الابتدائية دعواهم. استندت المحكمة في حيثيات حكمها إلى أن اجتماع الجمعية العمومية كان صحيحًا من الناحية الشكلية لأنه انعقد بدعوة من مدير الشركة، والأهم من ذلك، بحضور جميع الشركاء. وخلصت إلى أن القرارات المتخذة فيه، والتي صدرت بأغلبية قانونية، تعتبر ملزمة للجميع، بما في ذلك الأقلية المعارضة.
لم يثنِ هذا الحكم الشركاء المعارضين، فقاموا باستئناف الحكم أمام محكمة الاستئناف. وفي مذكراتهم، أعادوا التأكيد بشكل دقيق على حجتهم الأساسية، مشددين على أن المحكمة الابتدائية أغفلت النصوص الخاصة في عقد تأسيسهم. وقدموا دفوعًا تفصيلية توضح أن حصصهم مجتمعة تمثل العقبة التي تحول دون تمرير أي قرارات لا تحظى بإجماع الـ 75%. ومع ذلك، أيدت محكمة الاستئناف الحكم الابتدائي، وتبنت أسبابه دون الخوض في التعارض بين أحكام القانون العامة والأحكام الخاصة التي تضمنها عقد الشركة.
🔍 تحت مجهر المحكمة العليا: القصور في التسبيب
حمل المستأنفون قضيتهم إلى المحكمة الاتحادية العليا، ناعين على الحكم المطعون فيه مخالفته للقانون والخطأ في تطبيقه، والفساد في الاستدلال، والقصور في التسبيب. وافقت المحكمة العليا على النظر في الطعن، وكشف تحليلها الدقيق عن خلل قاتل في منطق المحاكم الأدنى.
استهلت المحكمة العليا حكمها بإعادة تأكيد مبدأ أساسي في العمل القضائي: يجب أن تكون أسباب الحكم سائغة، ومستمدة من أوراق الدعوى، وكافية لحمل قضائه. ثم انتقلت إلى المسألة القانونية الموضوعية، محللةً العلاقة بين المادة (96) من المرسوم بقانون اتحادي رقم 32 لسنة 2021 بشأن الشركات التجارية وعقد تأسيس الشركة المحدد.
أوضحت المحكمة أن المادة (96) تقدم قاعدة عامة، وهي أن اجتماع الجمعية العمومية ينعقد صحيحًا بحضور شركاء يملكون 50% على الأقل من رأس المال، وتصدر القرارات بأغلبية الحصص الممثلة في الاجتماع. لكن المحكمة شددت على أن المادة نفسها تحتوي على استثناء جوهري: "ما لم ينص عقد التأسيس على نسبة أو أغلبية أكبر".
وهذا، كما أعلنت المحكمة العليا، هو لب الموضوع. فالقانون نفسه يمنح الشركاء حرية وضع شروط أكثر صرامة لحوكمة شركتهم. وقد مارس مؤسسو المدرسة هذا الحق بتضمين قاعدة الأغلبية المشددة (75%) في المادة (21) من عقدهم.
كان الخطأ الفادح الذي ارتكبته محكمة الاستئناف هو إخفاقها التام في التعامل مع هذه الحجة. لقد اكتفى الحكم المستأنف بالقول إن الاجتماع كان صحيحًا لحضور جميع الشركاء وتحقيق "أغلبية قانونية". لقد تجاهل تمامًا الدفع المحوري والمستمر من قبل الطاعنين بأن "الأغلبية القانونية" في هذه الشركة تحديدًا ليست 50%+1، بل هي 75% المنصوص عليها في العقد. وبسبب عدم التصدي لهذه النقطة الخلافية الجوهرية، اعتبر تسبيب المحكمة قاصرًا ومعيبًا.
الحكم النهائي: النقض والإحالة
خلصت المحكمة الاتحادية العليا إلى أن الحكم المطعون فيه مشوب بالقصور في التسبيب، وهو ما حال دون تمكينها من بسط رقابتها على صحة تطبيق القانون. لم توضح المحكمة الأدنى درجة سبب تفضيلها لتطبيق النصاب القانوني العام على الشرط الصريح والأكثر تشددًا في الوثيقة التأسيسية للشركة.
وبناءً على ذلك، قضت المحكمة العليا بنقض الحكم المطعون فيه. وأحالت القضية مرة أخرى إلى محكمة الاستئناف لتنظر فيها بهيئة قضائية مغايرة. وكان التوجيه واضحًا: على المحكمة أن تفحص النزاع فحصًا وافيًا، وأن تتناول على وجه التحديد أثر المادة (21) من عقد التأسيس على صحة القرارات المطعون فيها. ويعد هذا الحكم تذكيرًا قويًا بأن عقد تأسيس الشركة هو دستورها الأساسي، ولا يمكن للمحاكم تجاهل شروطه الخاصة في النزاعات بين الشركاء.