→ العودة للأرشيف
حكم مكتبناحكم نقض تجاريMarch 18th, 2026

الطعن رقم 1 لسنة 2026 قرارات الهيئة العامة - التمييز / حق الاستئناف: محكمة النقض تُلغي حكماً بالرفض وتؤكد أن الاستئناف إعادة نظر موضوعية وليس عقبة شكلية

محكمة النقض أبوظبي - قلم المحكمة التجارية

جوهر الاستئناف: معركة حول الإجراءات والمبادئ

في حكم قضائي بارز يتعمق في المبادئ الأساسية للعدالة الإجرائية، أوضحت محكمة النقض بأبوظبي معايير تقديم الاستئناف، مؤكدةً على دوره كإعادة فحص موضوعية للقضية وليس مجرد مراجعة شكلية. وقد نشأ هذا القرار عن نزاع في مجال المقاولات تصاعد عبر درجات التقاضي، وبلغ ذروته في تفسير حاسم للتعديلات الأخيرة التي أُدخلت على قانون الإجراءات المدنية.

📋 خلفية القضية: مشروع بناء يتحول إلى نزاع

بدأ النزاع من عقد مقاولة تم توقيعه بين مالك عقار وشركة مقاولات لإنشاء فيلا سكنية خاصة. قام المالك برفع دعوى قضائية، مدعياً وجود تأخير كبير في التسليم، وسوء في المصنعية، ومخالفة للمواصفات المتفق عليها. وطالب بتعويض قدره 300,000 درهم، ولم تقتصر دعواه على شركة المقاولات فحسب، بل شملت أيضاً الاستشاري الهندسي الأول لتقصيره في واجباته الإشرافية. في المقابل، قدمت شركة المقاولات دعوى متقابلة قوية، مؤكدةً أن المالك لم يسدد الدفعات المستحقة، وطالبت بمبلغ يتجاوز 961,000 درهم.

بعد مراجعة الأدلة وتقرير الخبرة الفنية، قضت المحكمة الابتدائية برفض دعوى المالك الأصلية بالكامل. وفي المقابل، وجدت المحكمة أن الدعوى المتقابلة التي أقامتها شركة المقاولات تستند إلى أساس صحيح، وأمرت المالك بأن يدفع للشركة مبلغ 265,740.38 درهم، بالإضافة إلى فائدة قانونية مخفضة بنسبة 3% سنوياً.

⚖️ منعطف غير متوقع في محكمة الاستئناف

لعدم رضا الطرفين عن الحكم، لجأ كلاهما إلى محكمة الاستئناف. استأنف المالك حكم رفض دعواه، بينما استأنفت شركة المقاولات الحكم الجزئي الصادر لصالحها، مطالبةً بكامل مبلغ دعواها المتقابلة. تم ضم الاستئنافين للنظر فيهما معاً.

ولكن، في خطوة إجرائية مفاجئة، قضت محكمة الاستئناف، منعقدة في غرفة المشورة، بعدم قبول الاستئنافين. لم تتعمق المحكمة في موضوع النزاع المتعلق بعيوب البناء أو المستحقات المالية، بل بنت قرارها على أساس أن الأسباب المقدمة في صحيفتي الاستئناف كانت "مجملة" وتفتقر إلى التفصيل الدقيق الذي يتطلبه القانون. واعتبرت المحكمة أن صحيفتي الاستئناف "خاليتان من أسباب الاستئناف تفصيلاً"، وعليه، وجب رفضهما من الناحية الشكلية.

⚡ طعن المقاول أمام أعلى محكمة

بعد أن وُجدت شركة المقاولات أن حقها في استئناف موضوعي قد أُهدر، قامت بالطعن على القرار أمام محكمة النقض. كانت حجتهم الأساسية أن محكمة الاستئناف قد أخطأت جوهرياً في تطبيق القانون. ودفعت الشركة بأن المحكمة الاستئنافية طبقت بطريقة غير صحيحة معياراً شكلياً صارماً يليق بالطعن بالنقض، منتهكةً بذلك حقها في إعادة سماع الدعوى من حيث الوقائع والقانون. ورأت الشركة أن الأسباب التي قدمتها، وإن كانت موجزة، كانت كافية لتحديد نقاط الخلاف مع الحكم الابتدائي، وكان على محكمة الاستئناف واجب النظر فيها.

🔍 التحليل القانوني المعمق لمحكمة النقض

قدمت محكمة النقض تحليلاً شاملاً، مفرقةً بشكل حاسم بين طبيعة الاستئناف وطبيعة الطعن بالنقض.

أوضحت المحكمة أن الاستئناف ينقل النزاع برمته – وقائع وقانوناً – إلى المحكمة الأعلى درجة. ودور محكمة الاستئناف لا يقتصر على التحقق من وجود أخطاء، بل يتمثل في إعادة فحص القضية بالكامل، والنظر في جميع الأدلة والحجج، بما في ذلك ما يُقدم من جديد. فالاستئناف هو، في جوهره، محاكمة ثانية.

أما الطعن بالنقض، على النقيض من ذلك، فهو مراجعة محدودة تقتصر حصراً على الأخطاء القانونية. ويستند إلى أسباب محددة ومفصلة بدقة، ولا يعيد تقييم الوقائع التي استقرت عليها المحاكم الأدنى.

وكان جوهر المسألة هو تفسير التعديل الأخير على المادة 164 من قانون الإجراءات المدنية. هذا التعديل أوجب إدراج أسباب الاستئناف في الصحيفة الأصلية المودعة لدى المحكمة، ملغياً بذلك القاعدة السابقة التي كانت تسمح للمستأنفين بتقديم أسبابهم في وقت لاحق، حتى موعد الجلسة الأولى. وقد فسرت محكمة الاستئناف هذا التغيير بأنه يرفع من مستوى التفصيل المطلوب في هذه الأسباب.

اختلفت محكمة النقض اختلافاً جذرياً مع هذا التفسير. ورأت أن القصد التشريعي من وراء التعديل كان إجرائياً بحتاً ويهدف إلى تحسين الكفاءة. فمن خلال إلزام المستأنف بتقديم أسبابه مقدماً، سعى القانون إلى منع التأخير وضمان اكتمال ملف القضية منذ البداية. لكن المحكمة أكدت أن هذا التعديل لم يكن يهدف أبداً إلى تغيير الطبيعة الجوهرية للاستئناف أو فرض معايير الطعن بالنقض الصارمة عليه.

وذكرت المحكمة أن مطالبة المستأنف بتقديم تفصيل شامل ومستفيض لكل حجة في بداية الإجراءات من شأنه أن يخلط بشكل غير صحيح بين سبيلين قضائيين مختلفين. فالغرض من الأسباب في صحيفة الاستئناف هو تحديد نطاق الخلاف مع حكم محكمة أول درجة. وطالما كانت الأسباب واضحة بما يكفي للمحكمة لفهم نقاط الاعتراض، فإنها تكون كافية. إن رفض استئناف لافتقاره إلى التفصيل الشامل يعد حرماناً للمستأنف من حقه الموضوعي في مراجعة قضيته أمام درجة ثانية من التقاضي، وذلك استناداً إلى تفسير خاطئ لقاعدة إجرائية.

🏆 الحكم النهائي وآثاره

بناءً على هذا التحليل، خلصت محكمة النقض إلى أن محكمة الاستئناف قد ارتكبت خطأً جسيماً في تطبيق القانون، وأنها تخلت عن مسؤوليتها القضائية في نظر القضية من حيث الموضوع من خلال فرض شرط شكلي مفرط.

وعليه، قضت محكمة النقض بأن أسباب استئناف شركة المقاولات كانت كافية لقبول الاستئناف شكلاً. وبناءً عليه، نقضت حكم محكمة الاستئناف القاضي بالرفض، وأعادت القضية إليها لنظرها من الناحية الموضوعية أمام هيئة قضائية مختلفة. يعيد هذا القرار تأكيد مبدأ قانوني حيوي، وهو أن القواعد الإجرائية وُضعت لتيسير العدالة، لا لخلق حواجز تحول دون تحقيقها، وأن الحق في الاستئناف يظل حجر الزاوية في النظام القضائي، بما يضمن إعادة تقييم شاملة للنزاعات.

ID: f2ee90f5...