2026 02/04/ نقض ابو ظبي درع الحماية الساقط: المحكمة تسمح ببيع أرض منحة غير مطورة لسداد دين مرهون
محكمة النقض أبوظبي
درع الحماية الساقط: المحكمة تسمح ببيع أرض منحة غير مطورة لسداد دين مرهون
في حكم قضائي بارز يوضح حدود الحماية القانونية للعقارات الممنوحة من الدولة، قضت محكمة النقض أبوظبي بأن قطعة أرض فضاء، مُنحت لمواطن لغايات السكن ولكنها لم تُطوّر، لا تتمتع بالحصانة ضد البيع الجبري في مزاد علني لسداد دين مضمون برهن. وقد رسم الحكم خطاً فاصلاً وحاسماً بين حظر التصرفات الإرادية التي يقوم بها المواطنون، وبين حق الدائن المُرتهن في استيفاء دينه عبر الإجراءات القضائية.
📋 خلفية النزاع: رهن على أرض منحة
بدأت فصول القضية عندما تقدمت مؤسسة مالية دائنة بطلب إلى قاضي التنفيذ للشروع في إجراءات الحجز والبيع على قطعة أرض كانت مرهونة لصالحها بموجب عقد رهن مسجل في مطلع عام 2015. هذه الأرض كانت في الأصل منحة من الدولة للمدين بهدف بناء مسكن له. وعندما تعثر المدين عن سداد التزاماته، سعت المؤسسة المالية إلى تفعيل حقها كدائن مرتهن والمطالبة ببيع العقار في مزاد علني لاستيفاء مستحقاتها.
لكن محاولتها اصطدمت بعقبة قضائية أولى. ففي فبراير 2026، أصدر قاضي التنفيذ قراراً برفض طلب البنك، معللاً قراره بأن العقار محل النزاع هو منحة من الدولة ولا يجوز بيعه. هذا القرار وضع حماية مطلقة على ما يبدو للأرض، مانعاً الدائن من الوصول إلى ضمانته.
لم تتوقف المؤسسة المالية عند هذا الحد، بل استأنفت القرار أمام محكمة الاستئناف. من جانبه، دفع المدين بعدم جواز الاستئناف. رفضت المحكمة دفوع المدين الشكلية، لكنها في موضوع النزاع أيدت قرار قاضي التنفيذ. وفي مارس 2026، أصدرت حكمها بتأييد رفض طلب البيع، مستندة في ذلك إلى نص المادة 242 من قانون الإجراءات المدنية وقرار حكومي صادر عام 2018 بشأن حظر التصرف في العقارات الممنوحة للمواطنين. ورأت المحكمة أن الأرض مخصصة لسكن المدين، وأنه لم يثبت امتلاكه سكناً آخر، مما يجعلها تدخل في نطاق الحماية المقررة لمسكن المواطن.
🔍 الطعن أمام محكمة النقض: تصادم المبادئ القانونية
بعد خسارتها في درجتي التقاضي، حملت المؤسسة المالية قضيتها إلى محكمة النقض، وهي أعلى سلطة قضائية. استند طعنها إلى أن الحكمين السابقين قد خالفا القانون وأخطآ في تطبيقه، وشابهما فساد في الاستدلال وقصور في التسبيب. وقدمت المؤسسة الدائنة حججاً قانونية دقيقة تمحورت حول نقطتين جوهريتين:
التمييز بين البيع الإرادي والبيع الجبري: أكدت المؤسسة أن الحظر القانوني على التصرف في الأراضي الممنوحة ينصرف إلى التصرفات الاختيارية والرضائية التي تتم بين الأفراد، كأن يقرر المواطن بيع أرضه طواعية. أما البيع الجبري الذي تأمر به المحكمة أو قاضي التنفيذ، فهو ليس تصرفاً إرادياً من المدين، بل هو وسيلة لتنفيذ سند تنفيذي واستيفاء حق الدائن الذي كفله القانون. وبالتالي، لا يسري الحظر على هذا النوع من البيوع.
مفهوم "المسكن الفعلي": أشارت المؤسسة إلى أن الحماية التي توفرها المادة 242 من قانون الإجراءات المدنية مخصصة لـ "الدار التي تعد سكناً للمدين"، أي المسكن الفعلي القائم والمأهول وقت التنفيذ. وفي هذه الحالة، استندت المؤسسة إلى تقرير لجنة التقييم العقاري الذي أثبت أن العقار محل النزاع هو مجرد "أرض فضاء" غير مبنية وغير مسكونة. وبما أن المدين لم يتخذها سكناً فعلياً له، فلا يمكن أن تتمتع بالحصانة المقررة قانوناً للمسكن، حتى وإن كانت مخصصة للسكن في المستقبل.
⚖️ تحليل وحكم محكمة النقض
تبنت محكمة النقض بالكامل منطق المؤسسة الدائنة. في حيثيات حكمها، أوضحت المحكمة العليا المبادئ الحاكمة للمسألة. فقد أكدت أن الأصل هو أن جميع أموال المدين ضامنة للوفاء بديونه، ولكن المشرع استثنى بعض الأموال من الحجز حمايةً لاعتبارات إنسانية، ومنها مسكن المدين وأسرته.
ومع ذلك، فصلت المحكمة في النقطتين المحوريتين:
طبيعة البيع: وافقت المحكمة على أن حظر التصرف في العقارات الممنوحة ينطبق على "التصرفات الاختيارية الرضائية" ولا يمتد إلى "البيوع الجبرية" التي تأمر بها المحاكم. فالبيع الجبري هو أداة قضائية لتنفيذ الحقوق، وليس عملاً إرادياً من المدين.
وصف العقار: استندت المحكمة إلى تقرير الخبرة العقارية الذي وصف الأرض بأنها "أرض فضاء مخصصة للاستخدام السكني" وقيمتها 1,700,000 درهم. وخلصت إلى أن هذا الوصف يؤكد أنها ليست "سكناً فعلياً". فالحماية القانونية مرتبطة بالواقع المادي للعقار كمسكن قائم، وليس بمجرد تخصيصه المستقبلي. وبما أن المدين لم يثبت أنه اتخذ هذه الأرض سكناً له ولمن يعولهم، فإنها لا تدخل ضمن الأموال المحظور الحجز عليها.
⚡️ القرار النهائي وتداعياته
بناءً على هذا التحليل، قضت محكمة النقض بنقض الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف. ولأن القضية كانت صالحة للفصل فيها، تصدت المحكمة للموضوع مباشرة وأصدرت حكماً نهائياً، حيث قضت بإلغاء قرار قاضي التنفيذ الأصلي، والأمر باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لبيع الأرض محل النزاع بالمزاد العلني. كما ألزمت المدين (المطعون ضده) بكافة الرسوم والمصروفات وأتعاب المحاماة عن جميع مراحل التقاضي. يؤسس هذا الحكم لمبدأ قضائي هام، مؤكداً أن الضمانات العينية كالرهون تظل نافذة على الأراضي الممنوحة، وأن الحماية المقررة لمسكن المواطن لا تمتد لتشمل الأراضي الشاغرة التي لم يتم تطويرها، مما يحقق توازناً بين حماية المدين وحقوق الدائنين.