الطعن رقم 251 لسنة 2025 جزائي /الرأفة في مواجهة استبدال العقوبة: المحكمة العليا توضح السلطة التقديرية للقضاء في قضايا تزوير وثائق الإقامة
المحكمة الاتحادية العليا
الرأفة في مواجهة استبدال العقوبة: المحكمة العليا توضح السلطة التقديرية للقضاء في قضايا تزوير وثائق الإقامة
📋 خلفية القضية: شبكة معقدة من التزوير للتهرب من قانون الهجرة
نشأت وقائع هذه القضية من أفعال مواطن أجنبي، سعى في محاولة حثيثة للتحايل على قوانين دخول وإقامة الأجانب في دولة الإمارات العربية المتحدة، وتورط في مخطط تزوير متقن. وجهت النيابة العامة إليه سلسلة من التهم الخطيرة، زاعمة وجود خطة مدروسة للحصول على وضع قانوني بوسائل غير مشروعة. كشف التحقيق أن الرجل تآمر مع شريك مجهول لإنشاء محرر رسمي مزور—وهو جواز سفر يحمل بياناته الشخصية وصورته ولكن تحت اسم مستعار. كان جواز السفر المزور هذا هو حجر الزاوية في استراتيجيته.
وبحيازته هذا المستند المزيف، زُعم أنه استعان بعد ذلك بموظف عام حسن النية لارتكاب المزيد من أعمال التزوير. فمن خلال تقديم جواز السفر المزيف، نجح في استصدار محررين رسميين آخرين: تأشيرة دخول لمدة 90 يومًا، وتصريح إقامة لاحق. دفعت النيابة بأن هذه الأفعال لم تكن أخطاء معزولة، بل جزءًا من مؤامرة متعمدة لإنشاء هوية مزيفة والإقامة في البلاد بشكل غير قانوني. ونتيجة لذلك، واجه المتهم لائحة اتهام متعددة شملت: الاشتراك في تزوير جواز سفر رسمي، ومساعدة موظف عام في تزوير محررات رسمية، واستعمال المحررات المزورة مع العلم بتزويرها، وإعطاء بيانات كاذبة لموظف رسمي، ودخول الدولة بصورة غير مشروعة. وطالبت النيابة بإدانته وإنزال عقوبة تعكس خطورة هذه الجرائم التي تمس الثقة العامة وسيادة الدولة.
⚖️ حكم المحكمة الأدنى درجة: عقوبة خففتها الرحمة
نظرت محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية القضية بصفتها محكمة أول درجة. وبعد مراجعة الأدلة وسماع المرافعات، خلصت المحكمة إلى إدانة المتهم بالتهم المنسوبة إليه. كانت الجريمة الأشد هي تزوير جواز السفر وتصريح الإقامة بقصد التهرب من أحكام قانون الهجرة. ولكن عند تحديد العقوبة، مارست المحكمة سلطتها التقديرية. واستنادًا إلى المادة (99) من قانون الجرائم والعقوبات الإماراتي، التي تجيز تطبيق الظروف المخففة، قررت المحكمة استعمال الرأفة. فقد رأت أن هناك اعتبارات إنسانية أو ظروفًا مخففة غير محددة تبرر تخفيف العقوبة. وبدلاً من فرض عقوبة أشد كالسجن المؤقت، حكمت المحكمة على المتهم بالحبس لمدة ستة أشهر. بالإضافة إلى ذلك، أمرت بإبعاده عن الدولة بعد تنفيذ العقوبة ومصادرة جميع المحررات المزورة. وأصبح قرار تطبيق الرأفة هذا هو النقطة المحورية في الطعن اللاحق.
⚡ طعن النيابة العامة: تفسير صارم للقانون
لم ترتضِ النيابة العامة بهذا الحكم، فطعنت عليه بالنقض أمام المحكمة الاتحادية العليا. استند طعنها إلى نقطة قانونية حاسمة، حيث دفعت بأن المحكمة الأدنى قد أخطأت في تطبيق النصوص القانونية التي تحكم جرائم الهجرة. تمحورت حجة النيابة حول المادة (32) من المرسوم بقانون اتحادي رقم 29 لسنة 2021 في شأن دخول وإقامة الأجانب. تنص هذه المادة صراحة على أنه عند تطبيق العقوبات المنصوص عليها في هذا القانون، لا تسري أحكام المواد الخاصة بوقف التنفيذ واستبدال العقوبة والعفو القضائي الواردة في قانون العقوبات.
واعتبرت النيابة أن قيام المحكمة الأدنى بتخفيض العقوبة إلى ستة أشهر يُعد شكلاً من أشكال استبدال العقوبة المحظور. وجادلت بأنه من خلال استعمال الرأفة للنزول بالعقوبة عن الحد الأدنى المقرر قانونًا لمثل هذه الجريمة الجسيمة، تكون المحكمة قد استبدلت فعليًا العقوبة المقصودة بأخرى أخف، منتهكة بذلك الحظر الواضح في المادة (32). ومن وجهة نظر النيابة، كان قصد المشرّع هو وضع إطار عقابي صارم وثابت لجرائم الهجرة لضمان أقصى درجات الردع، دون ترك أي مجال للتساهل القضائي الذي يمكن تفسيره على أنه استبدال للعقوبة.
🔍 التحليل القانوني المعمق للمحكمة العليا: التمييز بين مفهومين أساسيين
شرعت المحكمة الاتحادية العليا في تحليل دقيق لحل هذه المسألة القانونية الحاسمة. وتعمق منطق المحكمة في التعريفات اللغوية والقانونية للمصطلحين الرئيسيين في قلب النزاع: 'استبدال العقوبة' و'الرأفة/الظروف المخففة'.
أوضحت المحكمة أن 'استبدال العقوبة' يعني قانونًا تغيير طبيعة العقوبة نفسها. على سبيل المثال، استبدال عقوبة الحبس بغرامة، أو بالخدمة المجتمعية، أو ببرنامج تأهيلي. وهذا يشكل تغييرًا كاملاً في نوع الجزاء المفروض.
في المقابل، فإن 'الرأفة' أو تطبيق 'الظروف المخففة' بموجب المادة (99) من قانون الجرائم والعقوبات لا يغير طبيعة العقوبة. بل يمنح المحكمة سلطة تقديرية لتخفيض مقدار أو مدة العقوبة المقررة مع الحفاظ على نوعها. فالجريمة تظل كما هي، والعقوبة (مثل الحبس) تظل كما هي، ولكن يتم تخفيف مدتها بسبب ظروف معينة تتعلق بالجاني أو بالجريمة.
وخلصت المحكمة العليا إلى أن هذين المفهومين مختلفان جوهريًا. فالحظر الوارد في المادة (32) من قانون الهجرة ينطبق بشكل صارم على تغيير *نوع* العقوبة، وليس على السلطة الأصيلة للمحكمة في تعديل *شدتها* بناءً على الظروف المخففة. ولدعم هذا التفسير، أشارت المحكمة إلى قصد المشرّع. فقد لاحظت أن المادة (25) من قانون الهجرة نفسه تورد صراحة جرائم محددة تُستثنى من تطبيق الظروف المخففة. ولو أراد المشرع أن يسري هذا الاستثناء على جميع الجرائم المنصوص عليها في القانون، لكان قد نص على ذلك بشكل عام، بدلاً من تحديد جرائم بعينها. إن عدم وجود مثل هذا الحظر العام في المادة (32)، التي تذكر 'الاستبدال' فقط، اعتُبر مقصودًا. وهذا عزز الاستنتاج بأن المشرع ميّز عمدًا بين المفهومين، فحظر أحدهما وسمح بالآخر.
🏛️ الحكم النهائي: تأييد السلطة التقديرية للقضاء ومبدأ الرأفة
منطوق الحكم
بناءً على تحليلها الشامل، خلصت المحكمة الاتحادية العليا إلى أن المحكمة الأدنى قد تصرفت بشكل صحيح وفي حدود القانون. وأن تطبيق الرأفة بموجب المادة (99) من قانون الجرائم والعقوبات كان ممارسة سليمة للسلطة التقديرية القضائية ولا يرقى إلى مستوى 'استبدال العقوبة' المحظور بموجب المادة (32) من قانون الهجرة. وأكدت المحكمة أن السياسة العقابية الحديثة للمشرّع تشجع على الموازنة بين الردع والإصلاح، وهو ما يدعم الحفاظ على قدرة القاضي على مراعاة الجوانب الإنسانية والظروف المخففة.
في نهاية المطاف، قضت المحكمة العليا بأن طعن النيابة العامة لا يقوم على أساس سديد. وتم تأييد حكم محكمة الاستئناف الاتحادية بكامله. وبذلك، بقيت إدانة المتهم قائمة، وتم تثبيت عقوبة الحبس لمدة ستة أشهر تليها الإبعاد باعتبارها نتيجة سليمة قانونًا وعادلة.