مسؤولية المؤثرين وفق التشريع الإماراتي

نشرة توعوية تبين الأطر القانونية والجزائية المنظمة لنشاط المؤثرين وصناع المحتوى في دولة الإمارات، وتوضح أركان المسؤولية الجنائية وضوابط الإفصاح والشفافية وحماية المستهلك.

نُشر: آخر مراجعة: 5 دقائق قراءة

مختصر مفيد

الخلاصة في دقيقة

  • حرية الإعلان في دولة الإمارات مقيدة بأطر قانونية تمنع الإضرار بالمجتمع وتضليل المستهلك وانتهاك النظام العام.
  • تقوم المسؤولية الجنائية على مبدأ شخصية المسؤولية وثبوت الركنين المادي والمعنوي وعلاقة السببية بدليل قاطع.
  • يُعاقب المؤثر جنائياً عند نشر بيانات مضللة أو الترويج لمنتجات بادعاءات علاجية أو استثمارية غير مرخصة ودون دليل علمي.
  • يشمل السلوك المعاقب عليه ترويج الجوائز والتخفيضات الوهمية، والسلع المقلدة والمغشوشة، والخدمات المالية والعملات الافتراضية المخالفة.
  • يعد الإفصاح عن الطبيعة الإعلانية للمحتوى واجباً قانونياً وأخلاقياً لمنع استغلال ثقة المتابعين وتضليلهم.
  • يفرض القانون على المؤثر التزاماً ببذل العناية الواجبة للتحقق من التراخيص وصدق الادعاءات، وتتصاعد درجة العناية بتوسع قاعدة الجمهور.
  • تمتد المسؤولية للمشاركين في الجريمة وفق قواعد الاشتراك الجنائي، بينما تنتفي عن المؤثر حسن النية المعتمد على مصادر رسمية وموثوقة.
رسم توضيحي رمزي يعبر عن المسؤولية القانونية للإعلانات الرقمية وحماية المستهلك في البيئة الإلكترونية

مقدمة وتطور النشاط الإعلاني الرقمي

شهدت دولة الإمارات العربية المتحدة في الأعوام الأخيرة نقلة نوعية في مجالات التجارة والدعاية، نتيجة للتقدم السريع لوسائل التواصل الاجتماعي، التي أضحت إحدى أبرز القنوات المؤثرة في توجيه اختيارات المستهلكين وتشكيل الرأي العام التجاري. ولم يعد الإعلان الرقمي مقتصراً على مجرد عرض السلع والخدمات، بل أصبح يعتمد بشكل رئيسي على المؤثرين وصناع المحتوى الذين نالوا ثقة عميقة من جمهورهم، حيث أصبحت توصياتهم، في كثير من الأحيان، كالشهادات الشخصية التي يستند إليها المستهلك في اتخاذ قراراته المتعلقة بالشراء أو الاستثمار أو التعاقد.

ومن خلال هذه الحقيقة، أدرك المشرع الإماراتي أن اتساع دائرة التأثير يستدعي مسؤوليات أكبر، وأن من يمارس الإعلان عبر المنصات الرقمية لم يعد مجرد ناقل لمحتوى تجاري، بل أصبح فاعلاً نشطاً في تشكيل إرادة المستهلك، مما يسلط الضوء على ضرورة إخضاعه للمساءلة القانونية كلما أساء استخدام هذه الثقة من خلال تضليل الجمهور أو الترويج لمنتجات أو خدمات تتعارض مع القوانين.

السياسة التشريعية وحرية الإعلان

جاءت السياسة التشريعية في دولة الإمارات منسجمة مع هذا الاتجاه؛ إذ لم تقتصر على تنظيم النشاط الإعلاني من الناحية الإدارية والمهنية فحسب، بل بالأحكام الجزائية التي تهدف إلى حماية المستهلك وتعزيز الثقة بالمعاملات التجارية والإلكترونية. وقد تحقق ذلك من خلال:

  • المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 الذي يتناول مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية.

  • المرسوم بقانون اتحادي رقم (15) لسنة 2020 الذي يركز على حماية المستهلك ولائحته التنفيذية.

ويبرز هذا الإطار التشريعي بوضوح أن حرية الإعلان ليست حقاً مطلقاً، بل هي حرية مقيدة بأطر تمنع الإضرار بالمجتمع أو تضليل المستهلك أو انتهاك النظام العام والآداب والقوانين السارية.

أركان وشروط قيام المسؤولية الجنائية

إن القاعدة الأساسية في القانون الجنائي تتمثل في مبدأ شخصية المسؤولية، حيث لا يُحاسب الفرد إلا عن أفعاله الشخصية التي أُثبت انتهاكها للقانون بدليل قاطع، فلا تُبنى مسؤوليته على الشكوك أو التقديرات، ولا على مجرد حدوث الضرر. وعليه، لا تنعقد المسؤولية الجنائية للمؤثر لمجرد انخراطه في النشاط الإعلاني أو تلقيه تعويضاً مالياً، بل تحتاج إلى تحقق الأركان العامة للجريمة:

  • الركن المادي: ارتكاب فعل يجرّمه القانون.

  • الركن المعنوي: توافر القصد الجنائي أو بالصورة التي يحددها النص العقابي.

  • رابطة السببية: وجود علاقة سببية كلما كانت شرطاً لازماً لقيام الجريمة.

صور السلوك الموجب للمساءلة القانونية

تتعدد أشكال السلوك التي قد تؤدي إلى محاسبة المؤثر جنائياً، وأبرزها:

  • نشر أو ترويج بيانات أو معلومات زائفة أو مضللة تهدف إلى خداع الجمهور أو التأثير في إرادتهم الاقتصادية.

  • الترويج لمنتج مع الادعاء بأنه يعالج الأمراض، أو يحقق نتائج طبية أو تجميلية أو استثمارية مؤكدة دون وجود دليل علمي أو ترخيص صادر عن الجهة المختصة.

  • تقديم معلومات يعلم بعدم صحتها، أو تجاهل عدم صحتها عمداً رغم وضوحها، أو إخفاء بيانات جوهرية من شأنها التأثير في قرار المستهلك.

  • الإعلان عن تخفيضات، أو عروض، أو جوائز وهمية.

  • الترويج لمنتجات مقلدة، أو مغشوشة، أو غير مرخصة.

  • الإعلان عن خدمات مالية أو استثمارية أو عملات افتراضية بالمخالفة للتشريعات المنظمة لها، متى كان القانون يجرم هذا السلوك.

  • تقديم الإعلان المدفوع كأنه تجربة ذات طابع شخصي أو رأي محايد مع تجاهل الإشارة إلى العلاقة التجارية بين المؤثر والجهة المعلنة، مما يعد واجباً قانونياً وأخلاقياً لضمان الشفافية وعدم تضليل المتابعين.

التزام المؤثر ببذل العناية الواجبة

يرسخ التشريع الإماراتي مبدأ أن احتراف النشاط الإعلاني يفرض على المؤثر التزاماً ببذل العناية الواجبة قبل نشر الإعلان؛ فلا يكفي أن يتذرع بحصوله على المعلومات من الشركة المعلنة أو عدم علمه بعدم صحة الادعاءات المنشورة إذا كان بإمكانه التحقق من شرعية النشاط أو وجود التراخيص اللازمة أو دقة الادعاءات الجوهرية بوسائل معقولة ومتاحة. وكلما زاد تأثير المؤثر وتوسعت دائرة جمهوره، ارتفعت المعايير المتوقعة لعنايته، خصوصاً عندما تتعلق بالصحة أو العلاج أو الاستثمار.

نطاق المسؤولية الجنائية وحماية المؤثر حسن النية

لا تقف المسؤولية الجنائية عند حدود الفاعل الأصلي، بل قد تمتد إلى كل من ساهم في ارتكاب الجريمة وفقاً لقواعد الاشتراك الجنائي المقررة في قانون الجرائم والعقوبات، ويجب تحديد مسؤولية كل طرف بناءً على دوره الفعلي ومقدار مساهمته وقصده الجنائي دون افتراض المساواة التلقائية بين المشاركين.

وفي المقابل، يكفل التشريع الإماراتي الحماية للمؤثر حسن النية الذي يلتزم بالضوابط القانونية والمهنية؛ إذ قد تزول مسؤوليته إذا أظهر بوضوح طبيعة المحتوى الإعلاني، وسعى بجدية للتحقق من قانونية المنتج أو الخدمة معتمداً على معلومات رسمية أو موثوقة دون إضافة ادعاءات زائفة، ولم يكن لديه علم أو قدرة على إدراك عدم صحتها، أو عند انقطاع الصلة السببية بحدوث الضرر عن سبب خارجي مستقل.

المصادر القانونية

استمر في القراءة