حكم نقض 388 2026/ فاتورة النصف مليون درهم: المحكمة ترفض الدفوع الإجرائية المتأخرة في نزاع خدمات التموين
محكمة النقض أبوظبي - قلم المحكمة التجارية
فاتورة طعام بنصف مليون درهم: كلمة الفصل في دين خدمات تموين متنازع عليه
في حكم قضائي حاسم، أسدلت محكمة النقض أبوظبي الستار على نزاع تجاري محتدم بين شركة متخصصة في تقديم الخدمات الغذائية وإحدى الشركات المتعاقدة معها، مؤكدةً صحة دين تجاوز نصف مليون درهم. ويبرز هذا الحكم مبدأً إجرائيًا بالغ الأهمية، وهو عدم جواز إبداء دفوع قانونية جديدة لأول مرة أمام محكمة النقض، كما يسلط الضوء على اعتماد القضاء على تقارير الخبرة المالية لكشف تعقيدات المعاملات التجارية.
📋 خلفية القضية: تراكم الديون وأمر الأداء
بدأت فصول النزاع عندما تقدمت شركة تموين مرموقة بطلب استصدار أمر أداء ضد شركة كانت تقدم لها خدمات وجبات غذائية واسعة النطاق. أكدت شركة التموين أنها، وبموجب أوامر شراء متعددة، قامت بتوريد وجبات الإفطار والعشاء بانتظام، إلا أن الشركة العميلة تخلفت عن سداد الفواتير المتراكمة، مما أدى إلى تضخم المبلغ المستحق ليصل إلى 502,339.45 درهم إماراتي.
قدمت شركة التموين أدلة قوية إلى المحكمة الابتدائية، مدعومة بفواتير ممهورة بختم وتوقيع ممثلي الشركة العميلة، وهو ما يُعتبر إقرارًا بالاستلام. بناءً على هذه الأدلة، أصدرت المحكمة أمر أداء يلزم الشركة المدعى عليها بسداد المبلغ كاملاً، بالإضافة إلى فائدة قانونية سنوية قدرها 3% من تاريخ المطالبة القضائية.
⚖️ مرحلة الاستئناف وتدقيق الخبير
رفضًا لهذا القرار، سارعت الشركة العميلة إلى استئنافه أمام محكمة الاستئناف. وفي خطوة تهدف إلى تحقيق الوضوح الكامل، عينت المحكمة خبيرًا ماليًا لإجراء مراجعة شاملة للعلاقة التجارية بين الطرفين. تم تكليف الخبير بفحص أوامر الشراء، والفواتير، والإشعارات الدائنة، وسجلات السداد لتحديد الوضع المالي الدقيق بين الشركتين.
أصبح تقرير الخبير نقطة تحول حاسمة في القضية، فبعد مراجعة دقيقة، خلص التقرير إلى النتائج التالية:
وجود علاقة تجارية واضحة تحكمها أوامر شراء لتوريد الوجبات.
القيمة الإجمالية للخدمات الغذائية المقدمة كانت كبيرة بعد خصم الإشعارات الدائنة.
المدفوعات التي قامت بها الشركة العميلة كانت أقل بكثير من المستحق، مما ترك رصيدًا قائمًا قدره 502,339.45 درهم بالضبط، وهو نفس المبلغ الذي طالبت به شركة التموين.
والأهم من ذلك، اكتشف الخبير أن إيصالات السداد التي قدمتها الشركة العميلة كدليل على الوفاء بالدين كانت في الواقع صادرة لصالح شركة أخرى لا علاقة لها بالنزاع، مما يجعلها غير ذي صلة بالقضية.
استنادًا إلى هذه النتائج القاطعة، أيدت محكمة الاستئناف أمر الأداء الابتدائي، مؤكدةً أن الدين ثابت بالكتابة، معين المقدار، وحال الأداء.
⚡ المحطة الأخيرة: الطعن أمام محكمة النقض
في محاولة أخيرة لإلغاء الحكم، قدمت الشركة العميلة طعنًا بالنقض، مستندة إلى سببين رئيسيين:
1. العيب الإجرائي: دفعت الشركة بأن التكليف بالوفاء، وهو شرط أساسي لإصدار أمر الأداء، كان باطلاً. وزعمت أن الإخطار تم إرساله إلى رقم هاتف مذكور في أحد أوامر الشراء، وهو يختلف عن الرقم الرسمي المسجل في رخصتها التجارية. ومن وجهة نظرها، فإن هذا الخلل الإجرائي يبطل القضية برمتها منذ البداية.
2. النزاع الموضوعي: كما جادلت الشركة بأن المبلغ المفوتر كان مبالغًا فيه، مدعية أن شركة التموين أضافت من جانب واحد رسومًا لتغليف الوجبات وبنودًا أخرى لم يتم الاتفاق عليها صراحة في أوامر الشراء. وأصرت على أن الدين لم يكن ثابتًا بموجب محرر موقع منها بالمبلغ المطالب به كاملاً، مما يجعله غير مستوفٍ للشروط القانونية لأمر الأداء.
🏛️ حكم المحكمة العليا الحاسم
قامت محكمة النقض بتحليل وتفنيد كل حجة من حجج الشركة الطاعنة بدقة.
فيما يتعلق بالادعاء ببطلان التكليف بالوفاء، اعتبرت المحكمة هذا الدفع غير مقبول. واستندت إلى المبدأ القانوني الراسخ الذي يقضي بعدم جواز إثارة دفاع جديد لأول مرة أمام محكمة النقض لم يسبق طرحه على محاكم الموضوع. وبما أن الشركة لم تطعن في صحة الإخطار خلال مرحلة الاستئناف، فقد فقدت حقها في القيام بذلك لاحقًا. وأكدت المحكمة: "أنه لا يجوز التمسك أمام محكمة النقض بدفاع لم يسبق إبداؤه أمام محكمة الموضوع."
أما بالنسبة لموضوع الدين، فقد رأت المحكمة أن حجج الشركة غير مقنعة. وأكدت على السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع في تفسير الأدلة والاعتماد على تقارير الخبرة. وأشارت محكمة النقض إلى أن حكم محكمة الاستئناف كان قائمًا على أسس سليمة، معتمدًا بشكل كبير على تقرير الخبير الذي أثبت وجود الدين ومقداره. إن مزيج أوامر الشراء، والفواتير الموقعة، والتدقيق المالي المفصل شكّل دليلاً كتابيًا كافيًا وفقًا لمتطلبات المادة 143 من قانون الإجراءات المدنية.
وخلصت المحكمة إلى أن منطق المحكمة الأدنى كان سليمًا، وأن اعتمادها على نتائج الخبير كان ممارسة صحيحة لسلطتها القضائية. وبذلك، تم دحض ادعاءات الشركة بشأن الرسوم غير المتفق عليها ونقص الأدلة بشكل فعال.
الحكم النهائي
قضت محكمة النقض برفض الطعن بكامله، وألزمت الشركة الطاعنة بتحمل كافة الرسوم والمصاريف القضائية، بالإضافة إلى دفع مبلغ 1,000 درهم كأتعاب محاماة لصالح شركة التموين. كما أمرت بمصادرة التأمين المقدم للطعن، لتضع بذلك نهاية حاسمة ومكلفة للمعركة القانونية التي خاضتها الشركة العميلة.