317-2026 /ما وراء الوكالة: محكمة النقض ترسي مبدأ الواجب المهني للمؤسسة الاستثمارية في نزاع حول محفظة بـ 1.2 مليون دولار
محكمة النقض أبوظبي
رفض دفاع "الوكالة المجردة" لمؤسسة مالية في مواجهة قضائية بقيمة 1.2 مليون دولار
في حكم قضائي بارز يعزز واجب العناية المشدد الملقى على عاتق المؤسسات المالية، حمّلت محكمة النقض أبوظبي شركة استثمارية المسؤولية الكاملة عن إعادة استثمار بقيمة 1,200,000 دولار أمريكي لعائلة من المستثمرين، رافضةً دفاع الشركة بأنها كانت تتصرف بموجب وكالة محدودة الصلاحيات فقط. يقدم هذا الحكم تحليلًا حاسمًا لطبيعة العلاقات التعاقدية في قطاع الاستثمار، ويميز بوضوح بين دور الوكيل البسيط ودور الطرف الأصيل الذي تترتب عليه التزامات مهنية.
📋 خلفية القضية: استثمار مبني على الثقة ينتهي بالنزاع
بدأت فصول القصة في أواخر عام 2018، عندما قرر أب، بالنيابة عن نفسه وأبنائه الثلاثة، استثمار مبلغ كبير من المال عبر شركة استثمارية مرموقة. عهدت العائلة إلى الشركة بمبلغ 1,200,000 دولار أمريكي (ما يعادل 4,407,000 درهم إماراتي) للاكتتاب في صندوق استثماري عبر شراء 12,000 سهم في شركة تابعة. تم تسجيل الأسهم، التي بلغت قيمتها الاسمية 100 دولار للسهم الواحد، بأسماء أفراد العائلة الأربعة، بواقع 3,000 سهم لكل منهم.
سارت الأمور كما هو مخطط لها لعدة سنوات. لكن، عندما قررت العائلة لاحقًا تصفية أصولها واسترداد رأسمالها المستثمر، واجهت ما وصفته بالمماطلة والتهرب من قبل الشركة. ورغم الطلبات المتكررة لبيع الأسهم وإعادة رأس المال، لم تتخذ الشركة أي إجراء فعلي، مما أدى إلى تجميد أموال العائلة وحرمانها من الأرباح المحتملة ومن فرصة استغلال رأسمالها. هذا الإخفاق دفع العائلة إلى اللجوء إلى القضاء.
⚖️ المسار القضائي أمام المحاكم الأدنى درجة
أقامت عائلة المستثمرين دعوى أمام محكمة أبوظبي الابتدائية، مطالبة باسترداد مبلغهم الأصلي البالغ 1,200,000 دولار، بالإضافة إلى الفوائد والتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية بقيمة 200,000 درهم. في أوائل عام 2026، أصدرت المحكمة حكمًا لصالحهم إلى حد كبير، حيث ألزمت الشركة الاستثمارية بسداد كامل المبلغ الأصلي، مع فائدة سنوية بنسبة 5% من تاريخ رفع الدعوى، وتعويض إضافي قدره 40,000 درهم عن الأضرار يتقاسمونه بالتساوي.
لم ترتضِ الشركة الاستثمارية هذا الحكم، فاستأنفته. إلا أن محكمة الاستئناف لم تجد أي سبب لإلغاء الحكم الابتدائي، وسرعان ما رفضت الاستئناف وأيدت الحكم. دفع هذا الأمر الشركة إلى تصعيد القضية إلى أعلى سلطة قضائية، محكمة النقض، في محاولة أخيرة لإعفاء نفسها من المسؤولية.
🔍 التحليل المعمق لمحكمة النقض
أمام محكمة النقض، بنت الشركة الاستثمارية دفاعها على حجة محورية واحدة: أنها كانت مجرد وكيل لإدارة المحفظة، تعمل ضمن تعليمات محدودة وخاصة من المستثمرين. ودفعت بأنها غير ملزمة بضمان نتائج الاستثمار أو تحمل مخاطر السوق، وأن علاقتها بالعائلة تخضع حصرًا لأحكام الوكالة في القانون. زعمت الشركة أن المحاكم الأدنى درجة قد أساءت تكييف الطبيعة القانونية للعلاقة وحمّلتها المسؤولية بشكل خاطئ لمجرد استلامها الأموال وتنفيذها أوامر العملاء.
فحصت محكمة النقض هذا الدفاع بدقة متناهية وخلصت إلى أنه لا أساس له من الصحة. وأرست المحكمة مبدأً قانونيًا حيويًا مفاده أن المؤسسة المالية التي تدير الاستثمارات تعمل كخبير مهني وتخضع لمعيار أعلى من اليقظة والعناية يتجاوز ما هو مطلوب من الشخص العادي. ويشمل هذا الواجب اختيار الاستثمارات المناسبة، وتوقيت المعاملات بشكل صحيح لتعظيم العوائد، وفهم العوامل الرئيسية المؤثرة في السوق.
ثم انتقلت المحكمة إلى الأدلة التعاقدية التي كانت حاسمة في القضية. فقد وجدت أن العقود الأولية المبرمة في عام 2018 وإقرارات الاستلام المرفقة بها أظهرت بوضوح أن الشركة تعاقدت مع العائلة بصفتها طرفًا أصيلًا، وليس مجرد وسيط. فالشركة نفسها هي التي تسلمت أموال الاستثمار مباشرة.
علاوة على ذلك، منحت اتفاقية لاحقة لإدارة المحفظة بصلاحيات مقيدة الشركة سلطات واسعة. فقد نص أحد بنودها على تعيين الشركة "كوكيل غير مشروط وغير قابل للرجوع فيه" مع صلاحيات كاملة للتصرف نيابة عن العميل. ومنح بند آخر الشركة الحق الحصري في شراء أو بيع أو تصفية الاستثمار وفقًا لتقديرها. ورأت المحكمة أن هذه السلطة الواسعة تقترن بمسؤولية كبيرة بنفس القدر.
الإخلال بالواجب المهني
كشفت الأدلة، بما في ذلك المراسلات بين الطرفين، أن الصندوق الاستثماري قد توقف عن العمل. وقد أقرت الشركة بذلك ووعدت بإعادة رأس مال العائلة، بالإضافة إلى ربح بنسبة 6%، في غضون عام. وكان إخفاقها في الوفاء بهذا الوعد بمثابة إخلال واضح بالتزاماتها التعاقدية والمهنية. وخلصت المحكمة إلى أن المسؤولية عن أي خسارة ناتجة عن أنشطتها الإدارية تقع بالكامل على عاتق الشركة باعتبارها من مخاطر المهنة التي تمارسها.
⚡ الحكم النهائي
بناءً على هذا التحليل الشامل، خلصت محكمة النقض إلى أن أحكام المحاكم الأدنى درجة كانت سليمة من الناحية القانونية ومدعومة بالأدلة. وأصبح الدفع بأنها كانت مجرد وكيل بسيط غير قابل للاستمرار في مواجهة العقود التي أثبتت أن الشركة طرف أصيل ومدير محترف يتمتع بسلطة واسعة وواجب عناية مشدد.
وعليه، قررت المحكمة رسميًا رفض الطعن بالنقض، مما يجعل الحكم نهائيًا وباتًا. وألزمت الشركة الطاعنة بدفع جميع الرسوم والمصاريف القانونية، بما في ذلك مبلغ 1,000 درهم كأتعاب محاماة للعائلة المطعون ضدها، وأمرت بمصادرة التأمين الذي تم إيداعه لرفع الطعن. يرسخ هذا الحكم المبدأ القائل بأن المؤسسات المالية لا يمكنها الاختباء خلف ستار الوكالة البسيطة للتهرب من التزاماتها المهنية الأساسية تجاه عملائها.