حكم المحكمة الاتحادية العليا بشأن ثبوت النسب وضوابط حجية البصمة الوراثية في الأحوال الشخصية
الإمارات العربية المتحدة المحكمة الاتحادية العليا
ملخص الحكم
في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية (نسب)، نظرت المحكمة الاتحادية العليا مدى جواز إثبات النسب بالاستناد حصراً إلى البصمة الوراثية الناتجة عن علاقة غير شرعية. وكانت محكمتا أول درجة والاستئناف قد قضتا بثبوت نسب الطفل للطاعن بناءً على تقرير المختبر الجنائي، رغم إدانة الطرفين جزائياً عن علاقة محرمة وثبوت زواج الأم من آخر. فنقضت المحكمة الاتحادية العليا الحكم وقضت مجدداً برفض الدعوى، مقررةً أن البصمة الوراثية وسيلة إثبات إجرائية مساندة مقيدة بحالات حصرية في القانون (كالكوارث واختلاط المواليد) ولا تنشئ نسباً مستقلاً بمعزل عن الفراش الشرعي، وأن الأبوة البيولوجية المجردة لا عبرة بها شرعاً وقانوناً.
الإمارات العربية المتحدة
المحكمة الاتحادية العليا
جلسة الأربعاء بتاريخ 16 يوليو سنة 2026
برئاسة القاضي / محمد حمد البادي الظاهري "رئيس المحكمة"
وعضوية القاضيين/ شهاب عبد الرحمن الحمادي ود. محمد علي علي سويلم.
( )
الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"
المبادئ القانونية:
(1، 2) دستور "من المبادئ الدستورية: الشريعةُ الإسلاميةُ مصدرٌ رئيسي للتشريع". معاملات مدنية "نظام عام: اعتبار الأحكام المتعلقة بالأحوال الشخصية من النظام العام" "وجوب الرجوع إلى الفقه الإسلامي في فهم النص وتفسيره".
(1) الشريعةُ الإسلاميةُ مصدرٌ رئيسي للتشريع. توجيه دستوري موجه من المشرع وليس نصاً واجب الإعمال بذاتِه أمام القضاء. مؤداهُ: أن أحكام الشريعة الإسلامية لا تكون واجبة التطبيق إلا إذا أفرغها المشرع في نصوصٍ تشريعيةٍ محددةٍ ومنضبطةٍ تنقلها إلى مجال التنفيذ. وأساس ذلك: المادة السابعة من الدستور.
(2) الرجوع إلى قواعد وأصول الفقه الإسلامي في فهم النص القانوني وتفسيره وتأويله، واعتبار الأحكام المتعلقة بالأحوال الشخصية كالزواج والميراث والنسب من النظام العام الذي لا يجوز الاتفاق على مخالفته أو التحلل من ضوابطه الحاكمة؛ واجب. وعلة ذلك: ترسيخٌ للنهج الدستوري وإعمالٌ لنصوص قانون المعاملات المدنية.
(3، 4) أحوال شخصية "نسب: ثبوت النسب بالطرق العلمية وطبيعتها الإجرائية والقيود الحصرية لإجراء فحص الحمض النووي" "عدم الاعتداد بالأبوة البيولوجية المجردة لإثبات النسب وتقديم معيار الشرع والقانون عند التعارض".
(3) ثبوت نسب الولد إلى أبيه بالطرق العلمية - إلى جانب الولادة في عقد زواج أو الإقرار أو البينة - مقيد بالضوابط والشروط الاستثنائية الواردة في المادة (90) من قانون الأحوال الشخصية والتي توجب أن يكون المولود مجهول النسب وأن يحتمل فارق السن صدق هذه النسبة عند اختلاط المواليد أو في حال الحوادث والكوارث أو عند التنازع في إثبات النسب أو بناء على طلب جهة مختصة. مؤداه: عدم جواز أمر المحكمة بإجراء فحص الحمض النووي أو الحكم بمقتضاهُ إلا في تلك الأحوال الاستثنائية باعتبار أن ورود الطرق
2
تابع تلخيص الحكم في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"
العلمية في المادة (87) هو ورود تنظيمي بحت بوصفها وسيلة إثبات إجرائية لا سبباً مستقلاً لإنشاء النسب. أساس ذلك: قراءةُ نصّي المادتين سالفتي الذكر مجتمعتين.
(4) النسبُ حقيقةٌ شرعيةٌ وقانونيةٌ مركبةٌ ذات آثار لصيقةٍ بالنظام العام والجنسية فهو لا يقوم على مجرد التكوين أو الحقيقة البيولوجية المجردة بل يدور وجوداً وعدماً مع قيام السبب الشرعي أو الطريق القانوني. مؤدى ذلك: تقديم معيار الشرع والقانون على مجرد الحقيقة الطبيعية الجينية عند التعارض فلا يثبت النسب بمجرد ثبوت الأبوة البيولوجية للولد عبر البصمة الوراثية (الحمض النووي) متى تجردت الواقعة من زواج أو شبهة زواج أو استلحاق أو سبب شرعي معتبر لعدم إطلاق حجية الطرق العلمية وعدم جواز التوسع فيها أو القياس عليها لإنشاء نسب خارج الإطار التشريعي والتنظيم القانوني للأحوال الشخصية.
(5) أحوال شخصية "نسب: مكانة النسب في الشريعة الإسلامية واعتبار حفظِه من الضرورات الكبرى والكليات الخمس لانتظام المجتمع وحفظ الكرامة البشرية".
- النسبُ في الشريعة الإسلامية آية من آيات الله تعالى للتعارف والتعاضد وبه انتظم الخلقُ واستقر النسل وتأسس نظام العائلة تقديراً وحفظاً للكرامة البشرية. مؤدى ذلك: أن حفظ النسب يُعد من الضروريات الكبرى والكليات الخمس التي تقرُها كل الشرائع والملل إلى جانب حفظ الدين والنفس والعقل والمال وبحفظ هذا المقصد الشرعي ينتظم بقاءُ النوع الإنساني على وجهٍ كريمٍ ويتألف نظام المجتمع بما يحفظ كرامة الإنسان بوصفها أول مشترك إنساني.
(6، 7) أحوال شخصية "نسب: مقاصد حفظ النسب وحمايته شرعاً وقانوناً وصون مؤسسة العائلة في الشريعة، وضوابط التوازن التشريعي بين إثباته ونفيه".
(6) حفظ النسب ينقسم إلى مقصدين متكاملين مندمجين، أولهما: بقاء الجنس البشري من خلال التناسل، وثانيهما: حدوث التناسل بطريقة شرعية تحفظ الأنساب وتمنع تفكك شبكة القرابات والرحم ودخول المشقة الفادحة على الأولاد والآباء والمجتمع. مؤداه: حظر الإخلال بالمقصد الثاني منعاً لزعزعة المفاهيم الكبرى التي تمس كينونة الإنسان ومؤسسة العائلة كالأمومة والمواريث باعتبار أن تحديد النسب وحفظ الفراش من صميم حفظ الضروري المأمور به شرعاً وقانوناً.
(7) حماية المقصد الشرعي للنسب في الشريعة الإسلامية يقوم على مقاصد ثلاثة متكاملة أولها: مقصد الاستدامة بالحث على النكاح لاستمرار النسل، وثانيهما: مقصد الحماية بصون الأنساب من الاختلاط والضياع
3
تابع تلخيص الحكم في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"
بتحريم الفاحشة وفرض العدة وإلغاء التبني، وثالثهما: مقصد الاستصلاح بجلب المصلحة للمولود وللمجتمع ودفع المفسدة والضرر عنهما. مؤداه: تشوُف الشارع للحوق النسب بتكثير وسائل إثباته وتوسيعها وفي المقابل التشدد البالغ في نفيه وتضيق وسائله صوناً للأعراض وحماية للبيوت وحفظاً لحقوق الطفل.
(8) أحوال شخصية "نسب: حجية قاعدة (الولد للفراش وللعاهر الحجر) وانحصار أحكام البنوة الشرعية في الفراش ونفيها عن علاقة الزنا".
- قاعدة الولد للفراش وللعاهر الحجر. تُعد أصلاً ضابطاً في باب النسب استقر عليه عملُ الصحابة والأمة وأئمة المذاهب الأربعة قديماً وحديثاً ولم يفهموا منه وجود مفهوم مخالف يُلحِق ولدَ الزنا بالزاني. مؤداه: انحصار النسب في سبب منضبط هو الفراش الذي تُناط به وحدةُ أحكام البنوة الشرعية باعتبار شطري القاعدة قاعدتين كبريين تؤسس أولاهُما لإثبات النسب بالفراش وتؤسس الثانية لقطع ونفي نسب الولد الناشئ من علاقة غير شرعية عن الزاني مطلقاً.
(9) أحوال شخصية "نسب: نشوء النسب من الزواج الشرعي (الوطء المظنون) وطبيعة وسائل الإثبات الكاشفة وترتيبها من حيث القوة".
- النسب شرعاً وقانوناً لا ينشأ إلا من سبب واحد هو الزواج الشرعي المتمثل في الوطء الشرعي (نكاحاً أو شُبهة) ولكون الوطء أمراً باطناً لا يُطلع عليه عادةً فقد أقام الشارع مظنة الوطء الشرعي مقامهُ في الإثبات تحقيقاً لمقصد استقرار الأسرة وثبوت نسب الولد. مؤدى ذلك: أن وسائل إثبات النسب كالفراش والبينة والإقرار والقيافة ليست أسباباً مستقلةً منشئة له بل هي أحوال كاشفةُ عن ذلك الزواج الشرعي وتقوم على افتراضه وتترتب هذه الوسائل في القوة بحسب قربها من السبب الأصلي بحيث لا يُلجأ إلى الأدنى مع وجود الأعلى.
(10) أحوال شخصية "نسب: حجية البصمة الوراثية كقرينة مساندة وإلحاقها بالقيافة بقياس العلة وانحصار حجيتها في حالات الاشتباه والتنازع دون التجرد من الفراش أو الشبهة وحظر إلحاق ولد الزنا بالزاني".
- البصمة الوراثية من حيث المبدأ تُعد من جنس القرائن التي تكشفُ بوجه شبه قطعي عن الأب البيولوجي للمولود بالاستدلال على الَشبه الباطني شأنُها شأن القيافة التي تستدل بالشبه الظاهري والفرق بينهما إنما هو درجة اليقين الحاصل من كليهما وتُخرج أصولياً وفق "قياس العلة" على القيافة باعتبارها الأصل المنصوص عليه. ومقتضى ذلك: إلحاق البصمة الوراثية بالقيافة بجامع علّة وجود القرينة المجربة الكاشفة عن المشابهة
4
تابع تلخيص الحكم في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"
لتصيرا مدلولاً عليهما معاً بهذا الوصف الأعم بعد إعمال مسلك "تنقيح المناط" بإلغاء الفارق بين الشبه الظاهري والباطني. ومؤدى ذلك: أنحصار حجية البصمة الوراثية باعتبارها وسيلة إثبات مساندةً تحل محل القيافة في حالات اشتباه الأنساب واختلاطها أو مجهولي النسب أو التنازع بين مدعيين متكافئين دون أن ترقى لأصل منشئ للنسب والذي هو حقيقة شرعية مركبة لا ينشأ إلا عن أصل شرعي معتبر فلا تكفي الأبوة البيولوجية لتأسيسه ولا تنشئه البصمة الوراثية مهما بلغت قطعيتها متى تجردت الواقعة من الفراش أو وطء الشبهة ويمتنع بموجب ذلك إلحاق ولد الزنا بالزاني مطلقاً ولا يُنفى النسب الثابت بالفراش إلا باللعان الشرعي المستوفي لشروطه.
(11) أحوال شخصية "نسب: شروط نفي النسب بعد الولادة وحجية اللعان وحظر نفي النسب الثابت بالفراش أو الإقرار المستقر استناداً إلى البصمة الوراثية".
- رؤية الزوج الحمل دون نفيه حتى الوضع يُعد إقراراً به يمتنع معه نفي النسب بعد ذلك ولا ينتفي نسب الولد الثابت بالفراش ولو تصادق الزوجان على نفيه أمام القضاء إلا باللعان المستوفي لشروطه. ومقتضى ذلك: أن النسب الثابت بالإقرار المستقر المستوفي لشروطه له قوة النسب الثابت بالفراش باعتباره فرعاً عنه فلا يصح شرعاً أو قانوناً نفيهُ اعتماداً على البصمة الوراثية النافية للأبوة تغليباً لحق المستلحق وصوناً للأنساب من التلاعب.
(12) أحوال شخصية "نسب: البصمة الوراثية: عدم اعتداد القضاء بالأبوة البيولوجية الناتجة عن علاقة مؤثمة لإنشاء النسب، وشرط قبولها لإثبات النسب قيام علاقة زوجية أو شبهة سائغة".
- إن قضاء الحكم المطعون فيه - الصادر تأييداً للحكم الابتدائي - بإثبات نسب الصغير إلى الطاعن والمطعون ضدها استناداً إلى مجرد ما خلص إليه تقرير المختبر الجنائي بشأن البصمة الوراثية من عدم استبعاد كونهما الأبوين البيولوجيين على الرغم من أن البصمة الوراثية لا تنهض بذاتها سبباً مستقلاً لإنشاء النسب لهو قضاء قد شابه الخطأ في تطبيق القانون والفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب إذ أن الثابتُ بالأوراق أن العلاقة بين الطرفين غير شرعية ومؤثمة أدينا بموجبها بحكم جزائي بات عن تهمتي تحسين المعصية والمواقعة الجنسية مما يقطع بخلو الأوراق من ثبوت عقد زواج صحيح أو شبهة سائغة تجمع بينهما ويسقط معه الفراش المعتبر شرعاً وقانوناً لإنشاء النسب فضلاً عن ثبوت قيام واستمرار علاقة زوجية رسمية أخرى للمطعون ضدها بآخر منذ عام 2007 ولا ينال من ذلك ما قدمته المطعون ضدها من ورقة عرفية
5
تابع تلخيص الحكم في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"
منسوبة لمكتب محاماة وموقعة بتاريخ لاحق لواقعة الدعوى تفيد بطلاقها إذ لا يجوز للشخص أن يصطنع دليلاً لنفسه ليحتج به على الغير فضلاً على وجوب توثيق الطلاق بالطريق الرسمي. مما يعيب الحكم ويوجب نقضه والتصدي بالقضاء بإلغاء الحكم المستأنف، ورفض الدعوى.
(الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"، جلسة 2026/7/16)
أسباب الحكم:
-1 المقرر - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن نص المادة السابعة من دستور دولة الإمارات العربية المتحدة، والذي يقضي بأن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، إنما يمثل توجيهاً دستورياً ومبدأ أساسياً تلتزم به السلطة التشريعية حال سنّها للقوانين، بحيث تستقي أحكامها بصورة رئيسية من المعين الرئيسي للشريعة الإسلامية باعتبار أن دين الدولة الإسلام. وهو نص لا يُعد واجب الإعمال بذاته أمام القضاء، وإنما هو دعوة للمشرع ليتخذ من الفقه الإسلامي منبعاً لما يستنه من قوانين ومصدراً رئيسياً لها، ومن ثم فإن أحكام الشريعة الغراء لا تكون واجبة التطبيق بالتعويل على نص الدستور المشار إليه إلا إذا استجاب الشارع لدعوته وأفرغ هذه الأحكام في نصوص تشريعية محددة ومنضبطة تنقلها إلى مجال العمل والتنفيذ.
-2 وحيث إنه ترسيخاً لهذا النهج الدستوري، وحرصاً من المشرع على أن يأتي التشريع مستمداً من أحكام الشريعة الإسلامية أو متفقاً معها، فقد أوجب قانون المعاملات المدنية الاتحادي الرجوع إلى قواعد وأصول الفقه الإسلامي في فهم النص وتفسيره ودلالته، إذ نص صراحة على اعتبار الأحكام المتعلقة بالأحوال الشخصية كالزواج والميراث والنسب من النظام العام للدولة الذي لا يجوز الاتفاق على مخالفته أو التحلل من ضوابطه الحاكمة.
ولما كان ذلك وتطبيقاً له فإن:
-3 مؤدى نص المادتين (1/87)، (90) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (41) لسنة 2024 في شأن إصدار قانون الأحوال الشخصية - الواجب التطبيق طبقًا لنص الفقرة الرابعة من المادة (1) منه - مجتمعتين - أن نسـب الولد إلى أبيه يثبت بالولادة في عقد زواج أو الإقرار أو البينة إلى جانب الطرق العلمية، إلا أن المشرع قيد حجية الاستهداء بهذه الطريق الأخيرة (الطرق العلمية) وضبطها بالضوابط والشروط الاستثنائية الواردة حصراً في المادة (90) بشأن ثبوت النسب بإجراء فحص الحمض النووي؛ فلا تملك
6
تابع تلخيص الحكم في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"
المحكمة الأمر بإجراء هذا الفحص أو الحكم بمقتضى نتيجته إلا في الأحوال الاستثنائية المتمثلة في اختلاط المواليد في المستشفيات، أو في حال الحوادث والكوارث، أو عند التنازع في إثبات النسب، أو بناءً على طلب جهة مختصة، شريطة أن يكون المولود مجهول النسب، وأن يحتمل فارق السن صدق هذه النسبة. ومقتضى ذلك أن ورود (الطرق العلمية) ضمن وسائل الإثبات في المادة (87) هو ورود تنظيمي بحت، باعتبارها وسيلة إثبات إجرائية لا سبباً مستقلاً لإنشاء النسب، وتقرأ دائماً بالارتباط مع القيود الحصرية للمادة (90) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (41) لسنة 2024 في شأن إصدار قانون الأحوال الشخصية؛
-4 النسب حقيقة شرعية وقانونية مركبة ذات آثار أسرية واجتماعية ومالية لصيقة بالنظام العام والجنسية وفقاً للدستور وقانون المعاملات المدنية، ولا يقوم على مجرد التكوين أو الحقيقة البيولوجية المجردة، وإنما يدور وجوداً وعدماً مع قيام السبب الشرعي المعتبر أو الطريق القانوني المقرر، مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم "الولد للفراش وللعاهر الحجر". وعليه فإنه عند التعارض بين مجرد الحقيقة البيولوجية وبين الضوابط الشرعية والقانونية المنظمة للنسب، يقدم معيار الشرع والقانون على مجرد الحقيقة الطبيعية الجينية، فلا يثبت النسب بمجرد ثبوت الأبوة البيولوجية للولد عن طريق البصمة الوراثية (الحمض النووي) إذا ما تجردت الواقعة من زواج أو شبهة زواج أو استلحاق أو سبب شرعي معتبر، إذ أن حجية الطرق العلمية ليست مطلقة، بل يدور وجودها وعدمها مع الحالات الحصرية المار بيانها، فلا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها لإنشاء نسب خارج هذا الإطار التشريعي والتنظيم القانوني للأحوال الشخصية، الذي يربأ عن الاعتراف بالأبوة البيولوجية المجردة الناشئة عن علاقة واقعية خارج إطار القانون كسبب لثبوت النسب، ما لم تُحط الواقعة بالغطاء القانوني والشرعي المعتبر (الفراش، الإقرار، أو البينة) أو تندرج ضمن التدخلات القضائية الحصرية لعلاج حالات القوة القاهرة والطوارئ (كالكوارث الطبيعية واختلاط المواليد).
-5 المقرر شرعاً أن النسب يعتبر في الشريعة آية من آيات الله جلّ وعلا، الدالة على قدرته ورحمته سبحانه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٥٤]. ولقد وضع المولى عز وجل نظام النسب، للتعارف والتعاضد، فانتظم به الخَلق واستقرّ به النَّسل؛ وانبثق منه نظام العائلة الذي أراد له الشارع أن يكون خلية أولى ملؤها الرحمة والمودة، ومن هذه الخلية، اتسعت شبكة القرابات، وتمددت الأواصر من العشيرة إلى القبيلة، فالأمّة، فالبشرية كلّها في دوائر متصلة، تقديراً من الله سبحانه وتعالى وحفظاً للكرامة البشرية التي خص الله بها بني آدم فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا
7
تابع تلخيص الحكم في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"
بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. وقد عَدّ الفقهاءُ والأصوليون حفظَ النَّسَب - الذي تنتظم به العائلة - من الضرورات الكبرى والكلّيات الخمس التي تقررها كل الشرائع والملل، إلى جانب حفظِ الدين والنفس والعقل والمال؛ إذ بحفظِ هذا المقصد ينتظم بقاءُ النوع الإنساني على وجهٍ كريم، ويتألّف نظامُ المجتمع على حالٍ يحفظ كرامةَ الإنسان، بوصفها أوّلَ مشتركٍ إنسانيّ.
-6 المقرر أن حفظ النسب ينقسم إلى مقصدين: الأول؛ يتمثّل في بقاء الجنس البشري من خلال التناسل. المقصد الثاني؛ يتمثل في حدوث التناسل بطريقة شرعية تحفظ الأنساب وتقيم شبكة من القرابات والعلاقات الأسرية تتضمن حكمة كرامة الإنسان وتفضيله على ما سواه من الحيوان. والعلاقة بين هذين المقصدين علاقة تكامل واندماج؛ بحيث إن مقصد تحديد النسب مندمج بمقصد بقاء النوع. إذ يؤدي الإخلال بالمقصد الثاني إلى انخرام شبكة القرابات التي نسجها الله من الخلية الأولى للأسرة، وإلى دخول المشقّةِ الفادحة على الأولاد لضياع من يقوم على مصالحهم، وعلى الآباء بانقطاع البِرّ، وعلى المجتمع كله بانقطاع نظام الرحم والتواصل والقرابات الذي علّق الشرع عليه كثيراً من الحقوق والمصالح الدنيوية والدينية. ويُفضي ذلك في المآل إلى »تسييل المفاهيم الكبرى« التي تمّس كينونة الإنسان ومؤسّسة العائلة كالأمومة، والبنّوة، والمواريث. ولذا؛ تضامنت مدارك الشريعة على جعل تحديد النسب وحفظِ الفُرُش من صميم حفظ الضروريّ المأمور به.
-7 المقرر أن مَدار حفظ كليّ النَّسَب في الشريعة على ثلاثةِ مَقاصدَ متكاملةٍ: الأول مَقصد الاستدامة: أن يَستمرّ النَّسَب في الناس ويَتعاقَب جيلاً بعد جيل وفق مقتضى الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فلا يَنقطِع السَّبب ولا يَنقرض الفَرع. ولذلك حثّ الشارعُ على النِّكاح، وكَرِه التَّبَتُّل ونفى الرهبانية، حِفظاً لاستمرار النَّوع وانتظامه. والثاني مَقصِد الحماية: أن يُحفَظ النَّسَب من الاختلاط والاشتباه والضَّياع. وألَجل هذا المَقصِد شَرَع الشارع أحكاماً جَليلةً تَدور كلُّها على صون الأنساب من اللَّبس، كضبط سبل التناسل، وتحريم الفاحشة، وفرض نظام العدة، وإلغاء التبنّي، والتغليظ في انتساب الإنسان لغير أبيه. الثالث مَقصِد الاستصلاح: فالشرع متشوّف للحوق النسب، ولذلك كثّر من وسائل إثباته وطلب الاستقصاء في تتبع ما يثبته من البينات والقرائن، وفي المقابل تَحفّظ أشدّ التحفّظ في نفيه صَوناً للأعراض، وحِمايةً للبيوت، وستراً لما أمَر الشارع بستره، وحفظاً لحقوق الطفل، ولذلك ضَيَّق وسائل نَفْيِهِ.
8
تابع تلخيص الحكم في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"
-8 المقرر أنه قد جَرى عَمَل الصَّحابة رضوان الله عليهم والأمة من بعدهم على جَعل قاعدة "الَولَد للِفراش وللعاهر الَحجَر"، أَصلاً ضابِطاً في باب النَّسَب، يَحصر النسب في سبب واحد مُنضَبِط هو الفراش، فبالفراش وحده تناط أحكام البُنُوّة الّشرعيّة. فلم يفهموا منه وجود مفهوم مخالف، يُلحِق ولَد الزنا بالزاني عند انعدام الفراش، بل اعتبروا الشطرين قاعدتين كبريين في باب النَّسَب: إحداهما للإثبات والأخرى للنّفي؛ فأسّست الأولى أنّ النَّسَب لا يثبت إلا بالفِراش أو بما يتضمّن إمكانَه كما سيأتي، وأسّست الثانية قطْعَ نَسَب الولد الناشئ من علاقَةٍ غير شرعيّة. وعلى هذا أئمّة المَذاهب الأَربعة وأكثر الأئمة المعتبرين قَدِيماً وحَدِيثاً في جميع العصور.
-9 المقرر إن النَّسَب في الّشرع لا يَنشأ في الحقيقة إلا من سَبَبٍ واحِدٍ، هو الَوطء الّشرعِيّ (نِكاحاً أو شُبهة). إلا أنّ هذا الَوطءَ أمْرٌ باطِنِيّ مَستور، لا يُطّلَع عليه عادة، وقانون الشرع أن ينيط الأحكام بالظواهر المُطّردة، لا بالأحوال الخفية. وعلى هذا النحو أقامَ الّشارع مَظنة الوطء الشرعي مَقامه في باب الإثبات، فحَكَم بثُبوت النَّسَب بثُبوت تلك المظنة، وذلك مراعاة لمقصد كُلِّيّ: هو استقرار الأُسرة وإبعادها عن مُوجِبات الاضطراب. ومن ثم، فإنّ ما يُذكَر من »وسائل إثبات النَّسَب« ليست أسباباً مُستَقِلّة، وإنّما هي الأَحوال التي رعاها الّشرع لتحقيق مَقصَدَيْه المتكاملين في هذا الباب: الأول الثَّبات، أي ثَبات الأسرة أمام تَوتُّر اضطراب البينات، والثاني الثُّبوت، أي ثُبوت نَسَب الَولَد بأوضَحِ طَريقٍ يَكشف عن مَظِنَّةِ السَّبَب. فكل الوسائل تقوم على افتراض الإذن الّشرعي في الوطء، أي أنها لا تؤسّس استقلالاً للنّسب، فلا يمكن لأب أن يستلحق ولداً إلا بأن يقطع العلم أو الاحتمال أنه ارتبط بأمّه برابط الزوجية أو ما يقوم مقامها، كما لا يثبت الولد بالشهود، إلا بالشهادة على أصل شرعي لتلك البنوة، وكذلك لا تلحق القافة ابناً بأب لم يثبت له وجه شرعي. ومن هنا يتأكد ما تقدّم من معيار الّشرع في البُنُوّة. ومبنى هذا التّلازم على ما تقرر آنفاً من أن النَّسَب من الجعل الشرعي (الزواج الشرعي)، لا من جعل المكلف، فكل الوسائل ليست إلا كاشفة عن الجعل الشرعي، وليست منشئة له. وتَتَرَتَّب هذه الأَحوال في القُوّة بحَسب قُربها من السَّبَب الأَصلي، فلا يُلجَأ إلى الأَدنى مَع وجود الأَعلى. وهي عند الفقهاء خمسة، وتنقسم إلى ثلاثة مجمع عليها، وهي الوسائل الكبرى (الفراش، البينة، والإقرار)، واثنتين مختلف فيهما وهما وسيلتان ثانويتان (القيافة والقرعة).
-10 المقرر أن البصمة الوراثية من حيث المبدأ هي من جنس القرائن، التي تكشف بوجه شبه قطعي عن الأب البيولوجي للمولود، فشأنها شأن القيافة، فإن تكن القيافة تستدّلُّ بالشَّبَه الظاهري فإن البصمة
9
تابع تلخيص الحكم في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"
تستدّل بالشَّبه الباطني، وكلا المنحيين يعملان وفق نفس المبدأ: الاستدلال بالمشابهة على النسب. ومحلُّ الفرق بين القيافة والبصمة الوراثية إنّما هو في درجة اليقين الحاصل من كليهما؛ إذ يميل العلمُ المعاصر إلى اعتماد البصمة لِما تقدّم من شبه قطعيّتها، بينما تبدو القيافةُ وسيلةً تقريبيةً محتملةً احتمالاً قويّاً، دون قوّة البصمة. ولذلك فإنّ اللقب الأصوليّ الدقيق هو »قياس العلّة«؛ فالقيافة هي المحل المخصوص والأصل المنصوص الذي يقاس عليه، والبصمة هي الفرع المراد إلحاقه، والعلّة الجامعة هي وجود القرينة المجربة الكاشفة عن المشابهة. وهذه العلّة يوصل إليها بإعمال مسلك تنقيح المناط بإلغاء الفارق، ومبناه على تبيين عدم تأثير الفارق المنطوق به في الحكم، فيثبت الحكم - لِما اشتركا فيه؛ فهو بيان عدم خصوص الوصف وهو القيافة القائمة على الشبه الظاهري - وإناطة الحكم بوصفٍ أعمّ، هو »وجود القرينة المجربة الكاشفة عن المشابهة«. وبذلك تصير البصمة الوراثية والقيافة مدلولاً عليهما معاً بهذا الوصف الأعمّ. ومؤدى ما تقدم أنه من المقرر شرعاً أن النسب مفهوم شرعي فلا يمكن أن يثبت بدون أصل شرعي، فلا تكفي النسبة الطبيعية لإثبات النسب الشرعي. فلا يمكن أن يعتمد على البصمة الوراثية مهما كانت درجة قطعيتها لتنشئ نسباً لم يثبُتْ أو يُفترض ثبوت شرطِه الشرعي، من زوجية أو وطء شبهة. ولذلك فالمولود من علاقة غير شرعية لا يمكن أن يعطى حَقَّ النَّسَب. وتَعمل البصمةُ الوراثيّة في حالات الاشتباه والاختلاط عَمَلَ أقوى المُرَجِّحات؛ وهي الحالات التي يَكون فيها النَّسَب مجهولاً ابتداءً، أو مُتَنازَعاً فيه بَين مُدَّعِيَيْن مُتكافِئَين، أو ضائعاً بَين مَواليدَ اختَلَطَت. وهذا المَجال تاريخيّاً هو مَجال القيافة التي قَبِلها جمهور العلماء. ومن تلك الصور التاريخية: اللَّقيط يُولَد فيُلقى لا يُعرَف أَبواه، والوَلَد المُتَنازَع عليه بَين مُدَّعِيَيْن، وما يَجري مَجراه من اختلاط الأَنساب في الحروب والِفتَن. ومن صور الاشتباه الحديثة: اشتباه المَواليد في المستشفيات، وتَبادُل الأَجِنّة في عَمَليّات الإخصاب الصِّناعِيِّ بخَطَأٍ مَخبَرِيّ، والتَّعَرُّف على ضَحايا الكَوارث والحَوادث الجَماعيّة، وأَبناء الفَقد والاختطاف يَعودون بَعد سِنينَ لا يُعرَف لهم أَهل. ولذلك فإن النَّسَب لا يَثبت بمُجَرَّد ثُبوت الأُبُوّة البيولوجيّة بالبصمة الوراثيّة عند تَجَرُّد الواقعة من الأَسباب الشرعيّة المُعتبَرة، إذ النَّسَب في الّشرع حقيقة شرعيّة مركبة لها أسباب محددة، ليست البصمة الوراثية منها، وتبقى مع ذلك وسيلةَ إثباتٍ مُسانِدةً تَعمل في فَضاءات التَّنازُع والاشتباه، لا أصلاً مُؤَسِّساً. وإن النسب الثابت بالفراش لا يقبل النفي إلا باللعان إذا توافرت شروط النفي ومن تلك الشروط أن يكون النفي في وقت الولادة أو بعدها بمدة قصيرة وهي الأيام التي تحصل فيها التهنئة بالمولود حسب العرف.
10
تابع تلخيص الحكم في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"
-11 المقرر أنه إذا رأى الزوج الحمل ولم ينتف منه حتى وضعت، فليس له أن ينتفي منه بعد ذلك؛ لأن ذلك يعتبر إقراراً منه بالحمل، وإذا ولدت الزوجة ولداً قبل البناء أو بعده وتصادق الزوجان على نفي الولد وعدم لحوقه بالزوج ولو أمام القضاء، فإنه لا ينتفي لحوقه إلا بلعان منه. كما أن النَّسَب الثابت بالإقرار له قوّة النَّسَب الثّابِت بالفِراش لأنّه فَرع عَنه، فلا يَصّح شَرعاً نَفْي النَّسَبِ الثّابِت بالإقرارِ المُستَقّرِ المُستَوفي لشُروطِه اعتِماداً عَلى البَصمَةِ الوراثيّةِ النّافيّةِ للأُبُوّة؛ تَغليباً لِحَقّ المُستلحَق وصَوناً للأنسابِ من التّلاعُب.
-12 لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه الصادر تأييداً للحكم الابتدائي قد خالف هذا النظر المار بيانه وأقام قضاءه بإثبات نسب الصغير (.......) للطاعن مستنداً إلى مجرد ما خلص إليه تقرير المختبر الجنائي الصادر من وحدة البصمة الوراثية في الدعوى رقم 672 لسنة 2024 جزاء .... من عدم استبعاد كون الطاعن والمطعون ضدها هما الأبوين البيولوجيين للطفل؛ في حين أن الواقعة – بحسب تصوير المطعون ضدها ذاتها في صحيفة دعواها – قائمة على ادعاء علاقة غير معلنة ومعاشرة نتج عنها ولادة الطفل بتاريخ 2024/10/29، وهي علاقة مؤثمة أدين بموجبها الطرفان بمقتضى الحكم الصادر في ذات الدعوى الجزائية سالفة البيان عن تهمتي تحسين المعصية والمواقعة الجنسية، بما يقطع بخلو الأوراق من ثبوت عقد زواج صحيح أو شبهة سائغة تجمع بين الطرفين، ويسقط معه الفراش المعتبر شرعاً وقانوناً لإنشاء النسب، ولا يغير من ذلك التذرع بالبصمة الوراثية، إذ إنها لا تنهض بذاتها سبباً مستقلاً للنسب متى تجردت الواقعة من الغطاء الشرعي وهو عقد الزواج أو الفراش، فضلاً عن أن الأوراق قد تضمنت مستندات رسمية جازمة تقطع بكون المطعون ضدها متزوجة من آخر؛ إذ الثابت من إفادة إدارة شؤون الرعايا الأجانب بوزارة الخارجية المغربية المؤرخة 2026/6/1 أن المطعون ضدها مرتبطة بعقد زواج قائم ومستمر منذ 2007/6/18 بالمواطن المغربي (.......) ولها منه طفلان قبل مغادرتها بلدها بتاريخ 2019/2/9، وهو ما تؤكده كذلك الشهادة الرسمية الصادرة عن الهيئة الاتحادية للهوية والجنسية وأمن المنافذ بتاريخ 2026/2/9 والثابت فيها أن الحالة الاجتماعية للمطعون ضدها هي (متزوجه)، ولا يجوز إلحاق نسب الصغير المذكور بموجب حقيقة جينية مجردة ناتجة عن علاقة غير مشروعة خارج إطار التنظيم القانوني للأحوال الشخصية، ولا ينال من ذلك الورقة المقدمة من المطعون ضدها والمنسوب صدورها إلى أحد مكاتب المحامين وعليها بعض التوقيعات بتاريخ 2026/3/23 وهو تاريخ لاحق على واقعة الدعوى الماثلة، وتفيد أنها طلقت؛ حيث إن من المبادئ المستقرة في الإثبات أنه لا يجوز للشخص أن يصطنع دليلاً لنفسه يحتج
11
تابع تلخيص الحكم في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"
به على الآخرين، ناهيك أنه يجب توثيق الطلاق على وجه رسمي، وإذ أغفل الحكم المطعون فيه إعمال هذه القواعد الآمرة، واعتد بحجية مطلقة للبصمة الوراثية خارج نطاق أحوالها الحصرية المنصوص عليها في المادة (90) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (41) لسنة 2024 في شأن إصدار قانون الأحوال الشخصية، فإنه يكون قد شابه الخطأ في تطبيق القانون، والفساد في الاستدلال، والقصور في التسبيب، بما يعيبه ويوجب نقضه. وحيث إن الطعن صالح للفصل في موضوعه، فإن المحكمة تتصدى للقضاء فيه عملاً بالمادة 186 من قانون الإجراءات المدنية. وحيث إنه عن موضوع الاستئناف رقم 244 لسنة 2025 استئناف شرعي .....، ولما استقر عليه قضاء هذه المحكمة في أسباب نقض الحكم المطعون فيه، فإن المحكمة تقضي بإلغاء الحكم المستأنف، والقضاء مجدداً برفض الدعوى.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وتلاوة تقرير التلخيص والمداولة.
حيث إن الطعن استوفى شروطه وسائر أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع - على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعية (المطعون ضدها) أقامت على المدعى عليه (الطاعن) الدعوى رقم 299 لسنة 2025، وأعلنت بها قانوناً أمام محكمة .... الابتدائية بقيدها لدى مكتب إدارة الدعوى بتاريخ 2025/1/9، وطلبت في ختامها الحكم أولاً: بإثبات نسب الطفل (.......) إلى المدعى عليه. ثانياً: إلزامه بكافة الآثار الشرعية والقانونية المترتبة على ثبوت النسب من نفقة ورعاية وتوثيق رسمي، مع إلزامه بالرسوم والمصاريف وأتعاب المحاماة؛ على سند أنها ارتبطت بالمدعى عليه (الطاعن) بعلاقة غير معلنة، وقد دخل بها وعاشرها معاشرة الأزواج، ونتج عن تلك العلاقة حملها وولادتها للمولود (.......) بتاريخ 2024/10/29، بموجب شهادة الولادة الصادرة عن مستشفى ...، وتم
12
تابع تلخيص الحكم في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"
تسجيل المولود باسم الأم فقط لامتناع المدعى عليه عن الإقرار بنسبه. ومن ثم فقد أقامت دعواها لإثبات نسب الصغير إلى والده. وبجلسة 2025/9/30 حكمت محكمة أول درجة حضورياً: أولاً: بإثبات نسب الصغير (.......) لوالده المدعى عليه. ثانياً: بإلزام المدعى عليه باستخراج كافة الأوراق الثبوتية الخاصة بالصغير، والمتمثلة في: (شهادة الميلاد، وبطاقة الهوية، والبطاقة الصحية، وجواز السفر)، مع إلزامه بالرسوم والمصاريف؛ وقد أسست المحكمة قضاءها على ما ثبت بموجب الحكم الصادر في الدعوى رقم 672 لسنة 2024 جزائي ...؛ من معاشرة المدعى عليه للمدعية معاشرة الأزواج، وفقاً لإقرارهما القضائي بذلك أمام محكمتي البداية والاستئناف ومعاقبتهما عن تهمتي تحسين المعصية والمواقعة الجنسية. فضلاً عما ثبت بتقرير المختبر الجنائي (وحدة البصمة الوراثية) المودع بذات الدعوى الجزائية؛ والذي خلص في نتيجته الفنية إلى أنه بمضاهاة البصمة الوراثية المستخلصة من الطفل ومقارنتها بالبصمة الوراثية لكل من المدعية/ ....... (مغربية الجنسية)، والمدعى عليه/ ....... (إماراتي الجنسية)؛ تبين عدم إمكانية استبعادهما من كونهما الأبوين البيولوجيين للطفل. وإذ لم يرتضِ الطاعن هذا القضاء، فطعن عليه بالاستئناف رقم 244 لسنة 2025 شرعي ...، وبجلسة 2025/12/22 قضت محكمة الاستئناف بقبول الاستئناف شكلاً، وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف، وألزمت المستأنف بالمصاريف. وحيث إن المدعى عليه لم يرتض هذا القضاء فطعن عليه بطريق النقض بموجب الطعن الماثل، وبجلسة نظر الطعن مثل طرفا الخصومة كل بشخصه. وإذ استعلمت المحكمة من وزارة الخارجية بالمملكة المغربية عبر القنوات الدبلوماسية بواسطة وزارة العدل بدولة الإمارات العربية المتحدة، فوردت إفادة إدارة شؤون الرعايا الأجانب بوزارة الخارجية المغربية المؤرخة 2026/6/1 متضمنة أن المطعون ضدها متزوجة منذ تاريخ 2007/6/18 من مواطن مغربي يدعى (.......)، وأنجبت منه طفلين. وأنها غادرت البلاد بتاريخ 2019/9/13، كما استعلمت المحكمة من الهيئة الاتحادية للهوية والجنسية وأمن المنافذ والتي
13
تابع تلخيص الحكم في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"
أفادت بتاريخ 2026/2/9 أن الحالة الاجتماعية للمطعون ضدها (متزوجة)، وإذ تدوول الطعن على النحو الثابت بمحاضرها، وقررت المحكمة حجز الطعن لإصدار الحكم بجلسة اليوم.
وحيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون، والقصور في التسبيب، والفساد في الاستدلال، والإخلال بحق الدفاع، وفي بيان ذلك يقول إن نتائج فحص البصمة الوراثية (DNA) لا تنهض بذاتها بيّنةً كافية أو دليلاً شرعياً مستقلاً على قيام العلاقة الزوجية لإثبات النسب، إذ لا تعدو أن تكون مجرد قرينة فنية على الأصل الجيني المجرد لا تكفي وحدها للقضاء بإلحاق النسب ما لم يعضدها دليل شرعي على الزواج وقرائن معتبرة، إذ خلت الدعوى من أي بينة شرعية، أو شهادة شهود، أو مستند رسمي أو عرفي يفيد قيام الزوجية أو حتى شبهة الزواج ولو كان فاسداً، أو إقرارٍ مما يعيب الحكم المطعون فيه ويستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي سديد؛ ذلك أن المقرر - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن نص المادة السابعة من دستور دولة الإمارات العربية المتحدة، والذي يقضي بأن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، إنما يمثل توجيهاً دستورياً ومبدأ أساسياً تلتزم به السلطة التشريعية حال سنّها للقوانين، بحيث تستقي أحكامها بصورة رئيسية من المعين الرئيسي للشريعة الإسلامية باعتبار أن دين الدولة الإسلام. وهو نص لا يُعد واجب الإعمال بذاته أمام القضاء، وإنما هو دعوة للمشرع ليتخذ من الفقه الإسلامي منبعاً لما يستنه من قوانين ومصدراً رئيسياً لها، ومن ثم فإن أحكام الشريعة الغراء لا تكون واجبة التطبيق بالتعويل على نص الدستور المشار إليه إلا إذا استجاب الشارع لدعوته وأفرغ هذه الأحكام في نصوص تشريعية محددة ومنضبطة تنقلها إلى مجال العمل والتنفيذ. وحيث إنه ترسيخاً لهذا النهج الدستوري، وحرصاً من المشرع على أن يأتي التشريع مستمداً من أحكام الشريعة الإسلامية أو متفقاً معها، فقد أوجب قانون المعاملات المدنية الاتحادي الرجوع إلى قواعد وأصول الفقه الإسلامي في فهم النص وتفسيره ودلالته، إذ نص صراحة على اعتبار الأحكام المتعلقة بالأحوال الشخصية كالزواج والميراث
14
تابع تلخيص الحكم في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"
والنسب من النظام العام للدولة الذي لا يجوز الاتفاق على مخالفته أو التحلل من ضوابطه الحاكمة. ولما كان ذلك وتطبيقاً له فإن مؤدى نص المادتين (1/87)، (90) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (41) لسنة 2024 في شأن إصدار قانون الأحوال الشخصية - الواجب التطبيق طبقاً لنص الفقرة الرابعة من المادة (1) منه - مجتمعتين - أن نسـب الولد إلى أبيه ويثبت بالولادة في عقد زواج أو الإقرار أو البينة إلى جانب الطرق العلمية، إلا أن المشرع قيد حجية الاستهداء بهذه الطريق الأخيرة (الطرق العلمية) وضبطها بالضوابط والشروط الاستثنائية الواردة حصراً في المادة (90) بشأن ثبوت النسب بإجراء فحص الحمض النووي؛ فلا تملك المحكمة الأمر بإجراء هذا الفحص أو الحكم بمُقتضى نتيجته إلا في الأحوال الاستثنائية المتمثلة في اختلاط المواليد في المستشفيات، أو في حال الحوادث والكوارث، أو عند التنازع في إثبات النسب، أو بناءً على طلب جهة مختصة، شريطة أن يكون المولود مجهول النسب، وأن يحتمل فارق السن صدق هذه النسبة. ومقتضى ذلك أن ورود (الطرق العلمية) ضمن وسائل الإثبات في المادة (87) هو ورود تنظيمي بحت، باعتبارها وسيلة إثبات إجرائية لا سبباً مستقلاً لإنشاء النسب، وتقرأ دائماً بالارتباط مع القيود الحصرية للمادة (90) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (41) لسنة 2024 في شأن إصدار قانون الأحوال الشخصية؛ فالنسب حقيقة شرعية وقانونية مركبة ذات آثار أسرية واجتماعية ومالية لصيقة بالنظام العام والجنسية وفقاً للدستور وقانون المعاملات المدنية، ولا يقوم على مجرد التكوين أو الحقيقة البيولوجية المجردة، وإنما يدور وجوداً وعدماً مع قيام السبب الشرعي المعتبر أو الطريق القانوني المقرر، مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم "الولد للفراش وللعاهر الحجر". وعليه فإنه عند التعارض بين مجرد الحقيقة البيولوجية وبين الضوابط الشرعية والقانونية المنظمة للنسب، يقدم معيار الشرع والقانون على مجرد الحقيقة الطبيعية الجينية، فلا يثبت النسب بمجرد ثبوت الأبوة البيولوجية للولد عن طريق البصمة الوراثية (الحمض النووي) إذا ما تجردت الواقعة من زواج أو شبهة زواج أو استلحاق أو سبب شرعي معتبر، إذ أن حجية
15
تابع تلخيص الحكم في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"
الطرق العلمية ليست مطلقة، بل يدور وجودها وعدمها مع الحالات الحصرية المار بيانها، فلا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها لإنشاء نسب خارج هذا الإطار التشريعي والتنظيم القانوني للأحوال الشخصية، الذي يربأ عن الاعتراف بالأبوة البيولوجية المجردة الناشئة عن علاقة واقعية خارج إطار القانون كسبب لثبوت النسب، ما لم تُحط الواقعة بالغطاء القانوني والشرعي المعتبر (الفراش، الإقرار، أو البينة) أو تندرج ضمن التدخلات القضائية الحصرية لعلاج حالات القوة القاهرة والطوارئ (كالكوارث الطبيعية واختلاط المواليد).
ذلك أنه من المقرر شرعاً أن النسب يعتبر في الشريعة آية من آيات الله جلّ وعلا، الدالة على قدرته ورحمته سبحانه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٥٤]. ولقد وضع المولى عز وجل نظام النسب، للتعارف والتعاضد، فانتظم به الخَلق واستقرّ به النَّسل؛ وانبثق منه نظام العائلة الذي أراد له الشارع أن يكون خلية أولى ملؤها الرحمة والمودة، ومن هذه الخلية، اتسعت شبكة القرابات، وتمددت الأواصر من العشيرة إلى القبيلة، فالأمّة، فالبشرية كلّها في دوائر متصلة، تقديراً من الله سبحانه وتعالى وحفظاً للكرامة البشرية التي خص الله بها بني آدم فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. وقد عَدّ الفقهاءُ والأصوليون حفظَ النَّسَب - الذي تنتظم به العائلة - من الضرورات الكُبرى والكلّيات الخمس التي تقررها كل الشرائع والملل، إلى جانب حفظِ الدين والنفس والعقل والمال؛ إذ بحفظِ هذا المقصد ينتظم بقاءُ النوع الإنساني على وجهٍ كريم، ويتألّف نظامُ المجتمع على حالٍ يحفظ كرامةَ الإنسان، بوصفها أوّلَ مشتركٍ إنسانيّ.
ومن المقرر أن حفظ النسب ينقسم إلى مقصدين: الأول؛ يتمثّل في بقاء الجنس البشري من خلال التناسل. المقصد الثاني؛ يتمثل في حدوث التناسل بطريقة شرعية تحفظ الأنساب وتقيم شبكة من القرابات والعلاقات الأسرية تتضمن حكمة كرامة الإنسان وتفضيله على ما سواه من
16
تابع تلخيص الحكم في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"
الحيوان. والعلاقة بين هذين المقصدين علاقة تكامل واندماج؛ بحيث إن مقصد تحديد النسب مندمج بمقصد بقاء النوع. إذ يؤدي الإخلال بالمقصد الثاني إلى انخرام شبكة القرابات التي نسجها الله من الخلية الأولى للأسرة، وإلى دخول المشقّةِ الفادحة على الأولاد لضياع من يقوم على مصالحهم، وعلى الآباء بانقطاع البِرّ، وعلى المجتمع كله بانقطاع نظام الرحم والتواصل والقرابات الذي علّق الشرع عليه كثيراً من الحقوق والمصالح الدنيوية والدينية. ويُفضي ذلك في المآل إلى »تسييل المفاهيم الكبرى« التي تمّس كينونة الإنسان ومؤسّسة العائلة كالأمومة، والبنّوة، والمواريث. ولذا؛ تضامنت مدارك الشريعة على جعل تحديد النسب وحفظِ الفُرُش من صميم حفظ الضروريّ المأمور به.
ومَدارُ حفظ كليّ النَّسَب في الشريعة على ثلاثةِ مَقاصدَ مُتكاملةٍ: الأول مَقصدُ الاستدامة: أن يَستمرّ النَّسَبُ في الناس ويَتعاقَب جيلاً بعد جيل وفق مقتضى الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فلا يَنقطِع السَّببُ ولا يَنقرض الفَرعُ. ولذلك حَثّ الشارعُ على النِّكاح، وكَرِه التَّبَتُّل ونفى الرهبانية، حِفظاً لاستمرار النَّوع وانتظامه. والثاني مَقصدُ الحماية: أن يُحفَظ النَّسَبُ من الاختلاط والاشتباه والضَّياع. ولأَجل هذا المَقصِد شَرَع الشارعُ أحكاماً جَليلةً تَدور كلُّها على صون الأنساب من اللَّبْس، كضبط سبل التناسل، وتحريم الفاحشة، وفرض نظام العدة، وإلغاء التبنّي، والتغليظ في انتساب الإنسان لغير أبيه. الثالث مَقصدُ الاستصلاح: فالشرع متشوّف للحوق النسب، ولذلك كثَّر من وسائل إثباته وطَلب الاستقصاء في تتبع ما يثبته من البينات والقرائن، وفي المقابل تَحفّظ أشَدّ التحفّظ في نفيه صَوناً للأعراض، وحِمايةً للبيوت، وستراً لما أمَرَ الشارعُ بستره، وحفظاً لحقوق الطفل، ولذلك ضَيَّق وسائل نَفْيِهِ. وقد جَرى عَمَلُ الصَّحابة رضوان الله عليهم والأمة من بعدهم على جَعل قاعدة "الَولَدُ للِفراش وللعاهر الَحجَر"، أَصلاً ضابِطاً في باب النَّسَب، يَحصر النسب في سبب واحد مُنضَبِط هو الفراش، فبالفراش وحده تناط أحكامُ البُنُوّة الّشرعيّة. فلم يفهموا منه وجود مفهوم مخالف، يُلحِق ولَدَ الزنا بالزاني عند انعدام الفراش، بل اعتبروا الشطرين قاعدتين
17
تابع تلخيص الحكم في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"
كبريين في باب النَّسَب: إحداهما للإثبات والأخرى للنّفي؛ فأسّست الأولى أنّ النَّسَب لا يثبت إلا بالفِراش أو بما يتضمّن إمكانَه كما سيأتي، وأسّست الثانية قطْعَ نَسَب الولد الناشئ من علاقَةٍ غير شرعيّة. وعلى هذا أئمّة المَذاهب الأَربعة وأكثر الأئمة المعتبرين قَدِيماً وحَدِيثاً في جميع العصور.
وإن النَّسَبَ في الّشرع لا يَنشأ في الحقيقة إلا من سَبَبٍ واحِدٍ، هو الَوطءُ الّشرعِيّ (نِكاحاً أو شُبهة). إلا أنّ هذا الَوطءَ أمْرٌ باطِنِيّ مَستور، لا يُطّلَع عليه عادة، وقانون الشرع أن ينيط الأحكام بالظواهر المُطّردة، لا بالأحوال الخفية. وعلى هذا النحو أقامَ الّشارعُ مَظنة الوطء الشرعي مَقامه في باب الإثبات، فحَكَم بثُبوت النَّسَب بثُبوت تلك المظنة، وذلك مراعاة لمقصد كُلِّيّ: هو استقرار الأُسرة وإبعادها عن مُوجِبات الاضطراب. ومن ثم، فإنّ ما يُذكَر من »وسائل إثبات النَّسَب« ليست أسباباً مُستَقِلّة، وإنّما هي الأَحوالُ التي رعاها الّشرعُ لتحقيق مَقصَدَيْه المتكاملين في هذا الباب: الأول الثَّبات، أي ثَبات الأسرة أمام تَوتُّر اضطراب البينات، والثاني الثُّبوت، أي ثُبوت نَسَب الَولَد بأوضَحِ طَريقٍ يَكشف عن مَظِنَّةِ السَّبَب. فكل الوسائل تقوم على افتراض الإذن الّشرعي في الوطء، أي أنها لا تؤسّس استقلالاً للنّسب، فلا يمكن لأب أن يستلحق ولداً إلا بأن يقطع العلم أو الاحتمال أنه ارتبط بأمّه برابط الزوجية أو ما يقوم مقامها، كما لا يثبت الولد بالشهود، إلا بالشهادة على أصل شرعي لتلك البنوة، وكذلك لا تلحق القافة ابناً بأب لم يثبت له وجه شرعي. ومن هنا يتأكد ما تقدّم من معيار الّشرع في البُنُوّة. ومبنى هذا التّلازم على ما تقرر آنفاً من أن النَّسَب من الجعل الشرعي (الزواج الشرعي)، لا من جعل المكلف، فكل الوسائل ليست إلا كاشفة عن الجعل الشرعي، وليست منشئة له. وتَتَرَتَّب هذه الأَحوالُ في القُوّة بحَسب قُربها من السَّبَب الأَصلي، فلا يُلجَأ إلى الأَدنى مَع وجود الأَعلى. وهي عند الفقهاء خمسة، وتنقسم إلى ثلاثة مجمع عليها، وهي الوسائل الكبرى (الفراش، البينة، والإقرار)، واثنتين مختلف فيهما وهما وسيلتان ثانويتان (القيافة والقرعة).
18
تابع تلخيص الحكم في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"
والبصمة الوراثية من حيث المبدأ هي من جنس القرائن، التي تكشف بوجه شبه قطعي عن الأب البيولوجي للمولود، فشأنها شأن القيافة، فإن تكن القيافة تستدّلُّ بالشَّبَه الظاهري فإن البصمة تستدّلُّ بالشَّبه الباطني، وكلا المنحيين يعملان وفق نفس المبدأ: الاستدلال بالمشابهة على النسب. ومحلُّ الفرق بين القيافة والبصمة الوراثية إنّما هو في درجة اليقين الحاصل من كليهما؛ إذ يميل العِلمُ المعاصر إلى اعتماد البصمة لِما تقدّم من شبه قطعيّتها، بينما تبدو القيافةُ وسيلةً تقريبيةً محتملةً احتمالاً قويّاً، دون قوّة البصمة. ولذلك فإنّ اللقب الأصوليّ الدقيق الذي تُخرّج عليه هو »قياس العلّة«؛ فالقيافةُ هي المحل المخصوص والأصْلُ المنصوص الذي يقاس عليه، والبصمةُ هي الفرعُ المُراد إلحاقُه، والعلّةُ الجامعةُ هي وجودُ القرينة المجربة الكاشفة عن المشابهة. وهذه العلّةُ يوصل إليها بإعمال مسلك تنقيح المناط بإلغاء الفارق، ومبناه على تبيين عدم تأثير الفارق المنطوق به في الحكم، فيثبت الحكُم - لِما اشتركا فيه؛ فهو بياُن عدم خصوص الوصف وهو القيافة القائمة على الشبه الظاهري - وإناطةُ الحكم بوصْفٍ أعمّ، هو »وجودُ القرينة المجربة الكاشفة عن المشابهة«. وبذلك تصير البصمةُ الوراثيةُ والقيافةُ مدلولاً عليهما معاً بهذا الوصف الأعّم. ومؤدى ما تقدم أنه من المقرر شرعاً أن النسب مفهوم شرعي فلا يمكن أن يثبت بدون أصل شرعي، فلا تكفي النسبة الطبيعية لإثبات النسب الشرعي. فلا يمكن أن يعتمد على البصمة الوراثية مهما كانت درجة قطعيتها لتنشئ نسباً لم يثْبُتْ أو يُفترض ثبوت شرطِه الشرعي، من زوجية أو وطء شبهة. ولذلك فالمولود من علاقة غير شرعية لا يمكن أن يعطى حَقَّ النَّسَب. وتَعمل البصمةُ الوراثيّةُ في حالات الاشتباه والاختلاط عَمَلَ أقوى المُرَجِّحات؛ وهي الحالاتُ التي يَكون فيها النَّسَبُ مجهولاً ابتداءً، أو مُتَنازَعاً فيه بَين مُدَّعِيَيْن مُتكافِئَين، أو ضائعاً بَين مَواليدَ اختَلَطَت. وهذا المَجالُ تاريخيّاً هو مَجالُ القيافة التي قَبِلها جمهور العلماء. ومن تلك الصور التاريخية: اللَّقيطُ يُولَد فيُلقى لا يُعرَف أَبواه، والوَلَدُ المُتَنازَعُ عليه بَين مُدَّعِيَيْن، وما يَجري مَجراه من اختلاط الأَنساب في الحروب والِفتَن. ومن صور الاشتباه الحديثة: اشتباهُ المَواليد في
19
تابع تلخيص الحكم في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"
المستشفيات، وتَبادُل الأَجِنّة في عَمَليّات الإخصاب الصِّناعِيِّ بخَطَأٍ مَخبَرِيّ، والتَّعَرُّف على ضَحايا الكَوارث والحَوادث الجَماعيّة، وأَبناءُ الفَقد والاختطاف يَعودون بَعد سِنينَ لا يُعرَف لهم أَهل. ولذلك فإن النَّسَبَ لا يَثبت بمُجَرَّد ثُبوت الأُبُوّة البيولوجيّة بالبصمة الوراثيّة عند تَجَرُّد الواقعة من الأَسباب الشرعيّة المُعتبَرة، إذ النَّسَبُ في الّشرع حقيقة شرعيّة مركبة لها أسباب محددة، ليست البصمة الوراثية منها، وتبقى مع ذلك وسيلةَ إثباتٍ مُسانِدةً تَعمل في فَضاءات التَّنازُع والاشتباه، لا أصلاً مُؤَسِّساً. وإن النسب الثابت بالفراش لا يقبل النفي إلا باللعان إذا توافرت شروط النفي ومن تلك الشروط أن يكون النفي في وقت الولادة أو بعدها بمدة قصيرة وهي الأيام التي تحصل فيها التهنئة بالمولود حسب العرف.
ولذلك إذا رأى الزوج الحمل ولم ينتف منه حتى وضعت، فليس له أن ينتفي منه بعد ذلك؛ لأن ذلك يعتبر إقراراً منه بالحمل، وإذا ولدت الزوجة ولداً قبل البناء أو بعده وتصادق الزوجان على نفي الولد وعدم لحوقه بالزوج ولو أمام القضاء، فإنه لا ينتفي لحوقه إلا بلعان منه. كما أن النَّسَب الثابت بالإقرار له قوّة النَّسَبِ الثّابِت بالفِراش لأنّه فَرعٌ عَنه، فلا يَصّح شَرعاً نَفْيُ النَّسَبِ الثّابِت بالإقرارِ المُستَقّرِ المُستَوفي لشُروطِه اعتِماداً عَلى البَصمَةِ الوراثيّةِ النّافيّةِ للأُبُوّة؛ تَغليباً لِحَقّ المُستلحَق وصَوناً للأنسابِ من التّلاعُب.
لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه الصادر تأييداً للحكم الابتدائي قد خالف هذا النظر المار بيانه وأقام قضاءه بإثبات نسب الصغير (.......) للطاعن مستنداً إلى مجرد ما خلص إليه تقرير المختبر الجنائي الصادر من وحدة البصمة الوراثية في الدعوى رقم 672 لسنة 2024 جزاء .... من عدم استبعاد كون الطاعن والمطعون ضدها هما الأبوين البيولوجيين للطفل؛ في حين أن الواقعة – بحسب تصوير المطعون ضدها ذاتها في صحيفة دعواها – قائمة على ادعاء علاقة غير معلنة ومعاشرة نتج عنها ولادة الطفل بتاريخ 2024/10/29، وهي علاقة مُؤثمة أدين بموجبها الطرفان بمقتضى الحكم الصادر في ذات الدعوى الجزائية سالفة البيان عن تهمتي
20
تابع تلخيص الحكم في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"
تحسين المعصية والمواقعة الجنسية، بما يقطع بخلو الأوراق من ثبوت عقد زواج صحيح أو شبهة سائغة تجمع بين الطرفين، ويسقط معه الفراش المعتبر شرعاً وقانوناً لإنشاء النسب، ولا يغير من ذلك التذرع بالبصمة الوراثية، إذ إنها لا تنهض بذاتها سبباً مستقلاً للنسب متى تجردت الواقعة من الغطاء الشرعي وهو عقد الزواج أو الفراش، فضلاً عن أن الأوراق قد تضمنت مستندات رسمية جازمة تقطع بكون المطعون ضدها متزوجة من آخر؛ إذ الثابت من إفادة إدارة شؤون الرعايا الأجانب بوزارة الخارجية المغربية المؤرخة 2026/6/1 أن المطعون ضدها مرتبطة بعقد زواج قائم ومستمر منذ 2007/6/18 بالمواطن المغربي (.......) ولها منه طفلان قبل مغادرتها بلدها بتاريخ 2019/2/9، وهو ما تؤكده كذلك الشهادة الرسمية الصادرة عن الهيئة الاتحادية للهوية والجنسية وأمن المنافذ بتاريخ 2026/2/9 والثابت فيها أن الحالة الاجتماعية للمطعون ضدها هي (متزوجه)، ولا يجوز إلحاق نسب الصغير المذكور بموجب حقيقة جينية مجردة ناتجة عن علاقة غير مشروعة خارج إطار التنظيم القانوني للأحوال الشخصية، ولا ينال من ذلك الورقة المقدمة من المطعون ضدها والمنسوب صدورها إلى أحد مكاتب المحامين وعليها بعض التوقيعات بتاريخ 2026/3/23 وهو تاريخ لاحق على واقعة الدعوى الماثلة، وتفيد أنها طلقت؛ حيث إن من المبادئ المستقرة في الإثبات أنه لا يجوز للشخص أن يصطنع دليلاً لنفسه يحتج به على الآخرين، ناهيك أنه يجب توثيق الطلاق على وجه رسمي، وإذ أغفل الحكم المطعون فيه إعمال هذه القواعد الآمرة، واعتد بحجية مطلقة للبصمة الوراثية خارج نطاق أحوالها الحصرية المنصوص عليها في المادة (90) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (41) لسنة 2024 في شأن إصدار قانون الأحوال الشخصية، فإنه يكون قد شابه الخطأ في تطبيق القانون، والفساد في الاستدلال، والقصور في التسبيب، بما يعيبه ويوجب نقضه.
وحيث إن الطعن صالح للفصل في موضوعه، فإن المحكمة تتصدى للقضاء فيه عملاً بالمادة 186 من قانون الإجراءات المدنية.
21
تابع تلخيص الحكم في الطعن رقم 20 لسنة 2026 أحوال شخصية "نسب"
وحيث إنه عن موضوع الاستئناف رقم 244 لسنة 2025 استئناف شرعي .....، ولما استقر عليه قضاء هذه المحكمة في أسباب نقض الحكم المطعون فيه، فإن المحكمة تقضي بإلغاء الحكم المستأنف، والقضاء مجدداً برفض الدعوى.
أحكام ذات صلة
حكم المحكمة الاتحادية العليا في مؤخر الصداق وسكنى العدة والهدايا الزوجية عند التفريق للشقاق
المحكمة الاتحادية العليا
2025
حكم نقض أحوال شخصية: التفريق خلعاً وتعنت الزوج
المحكمة الاتحادية العليا
2026
الطعن رقم 233 لسنة 2026 أحوال شخصية /الوعد المكسور: كفاح زوجة لاسترداد استثمارها في منزل الزوجية
المحكمة الاتحادية العليا
2026