→ العودة للأرشيف
حكم نقض تجاريMay 5th, 2026

نقض تجاري ابو ظبي 300/2026 - ثمن الانسحاب: وديعة عقارية مفقودة بسبب رسالة واحدة

محكمة النقض أبوظبي، الدائرة التجارية

ثمن الانسحاب: مطور عقاري يخسر وديعة بملايين الدراهم

في نزاع تجاري بارز يسلط الضوء على القوة الملزمة للاتفاقيات المكتوبة، أصدرت محكمة النقض أبوظبي حكماً قاطعاً، حمّلت فيه شركة تطوير عقاري مسؤولية انسحابها من صفقة عقارية كبرى. وأيدت المحكمة مصادرة وديعة مالية ضخمة قدرها 5,625,000 درهم، مؤكدةً أن الانسحاب الواضح من جانب واحد لا يمكن إعادة توصيفه بأثر رجعي على أنه إلغاء متبادل دون وجود دليل ملموس.

📋 خلفية القضية: صفقة واعدة تنتهي بالخلاف

بدأت القصة بمفاوضات طموحة بين شركة تطوير عقاري بارزة، يديرها مديرها، وشركة استثمارية تسعى للاستحواذ على مجموعة من الوحدات السكنية لأغراض استثمارية. بعد سلسلة من المباحثات وعدة مسودات لمذكرات تفاهم، اتفق الطرفان على شروطهما النهائية في اتفاقية شراء رسمية في أوائل عام 2025. وكان من المكونات الأساسية لهذه الاتفاقية قيام المطور بإصدار شيك مؤجل الدفع بمبلغ 5,625,000 درهم كدفعة أولى.

والأهم من ذلك، أن الاتفاقية تضمنت بنداً تمت صياغته بدقة ينص على أنه في حال انسحاب المشتري – أي المطور – من عملية الشراء أو إخفاقه في إتمام الصفقة، فإنه يحق للبائع – أي الشركة الاستثمارية – الاحتفاظ بكامل مبلغ شيك الدفعة المقدمة باعتباره مصادراً.

إلا أن مسار الصفقة بدأ في التعثر بعد ذلك بوقت قصير. لم يتمكن المطور من تأمين التمويل اللازم، وفي الأول من مارس 2025، أرسل مديره رسالة رسمية إلى الشركة الاستثمارية. كانت الرسالة بمثابة اعتذار، حيث أوضح عدم قدرتهم على المضي قدماً في الشراء بسبب الانسحاب المفاجئ لأحد مستثمريهم الرئيسيين. هذه الرسالة أصبحت لاحقاً حجر الزاوية في المعركة القانونية برمتها.

عقب هذا الانسحاب، قدمت الشركة الاستثمارية شيك الدفعة المقدمة للتحصيل، لكنه أعيد لعدم كفاية الرصيد. وسارعت الشركة للحصول على صيغة تنفيذية للمطالبة بالمبلغ، مما أثار رداً قانونياً عنيفاً من جانب المطور.

⚖️ الإجراءات القانونية: صراع بين الروايات

أقام المطور ومديره دعوى قضائية بهدف إلغاء الاتفاقية. كان ادعاؤهم الرئيسي هو أن العقد قد تم إنهاؤه بالاتفاق المتبادل (التقايل). وطالبوا المحكمة بإصدار أمر بإعادة الشيك وإلغاء إجراءات التنفيذ. وكطلب احتياطي، طالبوا بفسخ العقد بسبب إخلالات مزعومة من جانب الشركة الاستثمارية، مع المطالبة بتعويض قدره 1,000,000 درهم عن الأضرار.

استندت قضية المطور إلى عدة حجج:

  • زعموا أنه بعد توقيع الاتفاقية، انتهكت الشركة الاستثمارية شروطها من خلال الاستمرار في تسويق وحدتين من الوحدات المحددة في الصفقة وبيعهما لأطراف ثالثة.

  • ادعوا وجود اتفاق شفوي لاحق بين الطرفين على حل الصفقة ودياً وإعادة الشيك.

  • أشاروا إلى تصريح أدلى به مدير الشركة الاستثمارية أثناء إجراءات التنفيذ، زاعمين أنه كان إقراراً بالإلغاء المتبادل.

  • طالبوا المحكمة بسماع شهادة الشهود لإثبات ادعاءاتهم بوجود اتفاق شفوي على الفسخ.

لم تقتنع محكمة أول درجة بهذه الحجج وقضت برفض دعوى المطور. لم ييأس المطور، فاستأنف الحكم، لكن محكمة الاستئناف أيدت الحكم الابتدائي، ولم تجد سبباً لنقضه. وأدى ذلك إلى تقديم طعن نهائي أمام محكمة النقض.

🔍 تحليل محكمة النقض المعمق

راجعت محكمة النقض بدقة الأدلة والحجج المقدمة، وخلصت في النهاية إلى أن طعن المطور يفتقر إلى الأساس القانوني. وقد فكك منطق المحكمة بشكل منهجي كل ادعاء من ادعاءات المطور.

1. الانسحاب الذي لا لبس فيه: اعتبرت المحكمة رسالة المطور المؤرخة في 1 مارس 2025 دليلاً قاطعاً. فهذه الرسالة لم تكن اقتراحاً لإلغاء متبادل، بل كانت إعلاناً واضحاً ومنفرداً عن عدم قدرتهم على المتابعة. وقضت المحكمة بأن هذا الفعل من الانسحاب أدى إلى تفعيل العواقب التعاقدية المتفق عليها بين الطرفين.

2. قوة الكلمة المكتوبة: أكدت المحكمة على المبدأ القانوني القائل بأن التقايل يتطلب تلاقياً واضحاً وصريحاً للإرادات. وأن الادعاء بوجود اتفاق شفوي لاحق لإلغاء عقد مكتوب رسمي يتطلب دليلاً مقنعاً. وفي هذه الحالة، لم يقدم المطور أي دليل من هذا القبيل، بل مجرد ادعاءات غير مدعومة. ووجدت المحكمة أن تصرفات المطور – إرسال رسالة انسحاب – تتعارض بشكل مباشر مع ادعائهم بوجود اتفاق متبادل.

3. وضع "الإقرار" المزعوم في سياقه: فحصت المحكمة تصريح مدير الشركة الاستثمارية. وخلصت إلى أن التصريح لم يكن إقراراً بالفسخ الرضائي. بل كان المدير قد أوضح أن الصفقة أُنهيت *نتيجة* لإخفاق المطور في سداد الدفعة المقدمة وانسحابه اللاحق. وأشارت المحكمة إلى أن هذا كان مجرد سرد لتسلسل الأحداث، وليس موافقة على إلغاء دون تحميل أي طرف للمسؤولية.

4. توقيت بيع الوحدات: كانت إحدى نقاط الخلاف الرئيسية هي بيع وحدتين من قبل الشركة الاستثمارية. وجدت المحكمة أن الأدلة أظهرت أن عمليات البيع هذه تمت في 10 و 13 مارس 2025. أي *بعد* أن أرسل المطور رسالة انسحابه في 1 مارس و*بعد* أن أعيد شيك الدفعة المقدمة بالفعل دون صرف. وبالتالي، لم تكن تصرفات الشركة الاستثمارية خرقاً للعقد، بل نتيجة مشروعة لخرق المطور المسبق وانسحابه. كانت العلاقة التعاقدية قد انتهت بالفعل من قبل المطور، مما حرر الشركة الاستثمارية للتصرف في العقارات مع احتفاظها بالحق في الوديعة المصادرة.

5. رفض سماع شهادة الشهود: رفضت المحكمة طلب المطور استدعاء الشهود، معتبرة أن ذلك غير ضروري. ورأت أنه عندما توجد أدلة مكتوبة كافية لتكوين قناعتها – كما هو الحال هنا مع رسالة الانسحاب والعقد – فإن المحكمة غير ملزمة باتخاذ مزيد من إجراءات الإثبات. كما أشارت المحكمة إلى أن خبيراً في قضية التنفيذ السابقة كان قد استمع بالفعل لشهادة شهود المطور، وأن أقوالهم كانت غير ذات صلة بإثبات وجود اتفاق على التقايل.

⚖️ الحكم النهائي

بناءً على هذا التحليل الشامل، خلصت محكمة النقض إلى أن المحكمتين الأدنى درجة قد طبقتا القانون بشكل صحيح. كان انسحاب المطور عملاً من جانب واحد أدى إلى تفعيل شرط المصادرة في العقد. وكانت الشركة الاستثمارية محقة تماماً في الاحتفاظ بالدفعة المقدمة البالغة 5,625,000 درهم.

وأصدرت المحكمة حكمها النهائي:

  • رفض الطعن.

  • إلزام الطاعنين (المطور ومديره) بسداد كافة الرسوم والمصاريف القانونية ومبلغ إضافي قدره 1,000 درهم أتعاب محاماة للمطعون ضدها.

  • مصادرة التأمين الذي أودعه الطاعنان عند تقديم الطعن.

يعمل هذا الحكم كتذكير قوي بقدسية الشروط التعاقدية والأهمية الحاسمة للتواصل الكتابي الواضح في المعاملات التجارية ذات القيمة العالية.

ID: 9efd36c8...