-نقض ابو ظبي تجاري489-2026/ حكاية شركتين: عندما تنهار ادعاءات المنافسة غير المشروعة تحت عبء الإثبات
محكمة النقض أبوظبي
سقوط شراكة: المعركة القضائية الكبرى حول الولاء المؤسسي والانهيار المالي
في نزاع تجاري محتدم وصل إلى أعلى هيئة قضائية، طالب مساهم أغلبية وشركته بتعويض ضخم قدره 16,755,093.18 درهمًا من شريكة سابقة ومديرة تنفيذية، متهمين إياها بالتخريب المؤسسي والمنافسة غير المشروعة. تشكل هذه القضية تذكيراً قوياً بأنه في عالم التقاضي عالي المخاطر، لا تكفي الادعاءات مهما بلغت خطورتها دون وجود دليل ملموس، وأن عدم رغبة الطرف في إثبات دعواه يمكن أن يكون سبباً كافياً لخسارة القضية.
📋 خلفية القضية: من شركاء إلى خصوم
بدأ النزاع داخل شركة كان فيها الطاعن الأول مساهم أغلبية بحصة 75%، بينما كانت المطعون ضدها شريكته ومديرتها التنفيذية بحصة 25% المتبقية. تدهورت علاقتهما التجارية بشكل كبير، مما دفع مساهم الأغلبية وشركته إلى رفع دعوى قضائية ضد مديرتهما السابقة.
تمحور جوهر ادعائهم حول أن المديرة، بينما كانت لا تزال تشغل منصبها من الناحية الفنية، بدأت في إدارة شركة منافسة تعمل في نفس القطاع التجاري. واعتبروا هذا التصرف خيانة صارخة لواجباتها الائتمانية وولائها للشركة. ورسمت الدعوى صورة لمخطط مدروس لتقويض أعمالهم من الداخل، متهمين إياها بما يلي:
تسريب معلومات سرية: مشاركة بيانات حساسة حول أسعار الشركة وقوائم عملائها وهوامش أرباحها مع المنافس.
استقطاب العملاء: التواصل الفعلي مع عملائهم الراسخين وإغرائهم بالرحيل، وتحويل العقود المربحة إلى شركتها الجديدة.
المنافسة غير المشروعة: الانخراط في أنشطة مصممة خصيصاً للإضرار بوضع شركتهم في السوق لصالح الشركة المنافسة.
ولدعم مطالبتهم بالتعويض الضخم، طلبوا من المحكمة تعيين خبير في شؤون الشركات والمنافسة غير المشروعة لتحليل أفعال المديرة وتحديد حجم الضرر المالي والسمعي الهائل الذي زعموا أنهم تكبدوه.
⚔️ الهجوم المضاد: شبكة من الاتهامات
من جانبها، شنت المديرة المطعون ضدها دفاعاً قوياً. لم تكتفِ بنفي الاتهامات، بل رفعت دعوى متقابلة طالبت فيها بمبلغ كبير قدره 9,571,735.80 درهمًا. زعمت أن الدعوى الأصلية كانت محاولة كيدية لا أساس لها من الصحة لتشويه سمعتها والتهرب من دفع حصتها المستحقة من أرباح الشركة عن العام السابق. كما طالبت المحكمة بتعيين مدقق حسابات لتصفية الشراكة وتأكيد عزلها رسمياً من منصبها كمديرة. واستند دفاعها إلى أن الدعوى الأصلية يجب رفضها لوجود حكم سابق حسم مسائل ذات صلة (حجية الأمر المقضي به).
🔍 النتائج المقلقة لتقرير الخبرة
قامت المحكمة الابتدائية بتعيين لجنة من الخبراء الماليين للتحقيق في الادعاءات المعقدة. لكن تقرير الخبراء لم يقدم الأدلة القاطعة التي كان يأملها الطاعنون. بدلاً من ذلك، كشف عن شركة تعاني من فوضى عارمة، حيث ذكر التقرير أن الحوكمة المالية والإدارية تشوبها "عيوب جسيمة". وسلط التقرير الضوء على:
تناقضات مالية: وجود قوائم مالية متعددة ومتضاربة تم إعدادها، مما يجعل من المستحيل تحديد الوضع المالي الحقيقي للشركة.
سوء إدارة مشترك: وجد الخبراء أدلة على تلاعب مالي وممارسات مشبوهة من قبل كلا الطرفين، بما في ذلك سحوبات مفرطة وغير مبررة من أموال الشركة.
عدم إثبات العلاقة السببية: على الرغم من أن التقرير أكد أن المطعون ضدها كانت بالفعل تدير شركة منافسة – وهو ما يشكل انتهاكاً لاتفاقية عدم المنافسة – فإنه لم يجد أي دليل مباشر على أن هذا التصرف هو الذي تسبب في الخسائر المزعومة للطاعنين. فشل الطاعنون في تقديم أي إثبات على تسريب البيانات أو سرقة العملاء أو تقديم عطاءات بأسعار أقل.
أمام هذه الصورة المالية الغامضة، أوصت لجنة الخبراء بإجراء تدقيق حسابات جنائي شامل ومستقل لسجلات الشركة منذ تأسيسها. وافقت المحكمة على التوصية وأمرت بتعيين شركة تدقيق متخصصة، مشترطة أن يتم تقاسم التكاليف البالغة 200,000 درهم بين الطرفين.
⚖️ الإخفاق الحاسم وأحكام المحاكم الأدنى درجة
في خطوة حاسمة كانت لها عواقب وخيمة، أخفق الطاعنون – وهم أصحاب الدعوى الذين كانت قضيتهم تعتمد على إثبات الضرر المالي – في سداد حصتهم من أتعاب الخبرة. ورغم منحهم عدة مهل من المحكمة، لم يتم إيداع المبلغ المطلوب.
نتيجة لذلك، رفضت المحكمة الابتدائية دعواهم الأصلية بالتعويض، معللة قرارها بعدم كفاية الأدلة. وأيدت محكمة الاستئناف هذا الحكم لاحقاً، مما لم يترك أمام الطاعنين سوى اللجوء إلى محكمة النقض كملاذ أخير.
⚡ الحكم النهائي أمام محكمة النقض
أمام أعلى محكمة، دفع الطاعنون بأن المحاكم الأدنى درجة أخطأت في تطبيق القانون. وزعموا أنه بموجب المادة 86 من قانون الشركات، فإن مجرد قيام المدير بإدارة شركة منافسة دون موافقة يكفي بحد ذاته لترتيب المسؤولية عن الضرر، وأن اشتراط تقديم دليل مباشر على فقدان عملاء معينين هو عبء إثبات مستحيل. وأصروا على أنهم حُرموا من فرصة إثبات قضيتهم.
إلا أن محكمة النقض فندت هذه الحجة بدقة. أوضحت المحكمة أنه في حين أن تصرف المديرة يعتبر خطأ، فإن المسؤولية التقصيرية عن التعويض تتطلب إثبات ثلاثة أركان أساسية:
الخطأ: انتهاك الواجب أو القانون.
الضرر: إثبات وقوع ضرر فعلي وقابل للقياس.
علاقة السببية: وجود رابط سببي مباشر بين الخطأ والضرر الذي لحق بالمدعي.
وأكدت المحكمة أن عبء إثبات هذه الأركان الثلاثة يقع بالكامل على عاتق المدعي. وفي حين أن الخطأ قد ثبت، إلا أن الطاعنين فشلوا فشلاً ذريعاً في إثبات الضرر وعلاقة السببية. وما زاد من ضعف موقفهم هو تصرفهم. استندت المحكمة إلى المادة 112 من قانون الإثبات، التي تنص على أن الطرف الذي لا يودع أمانة الخبير التي تأمر بها المحكمة يسقط حقه في التمسك بهذا الإجراء. فبرفضهم تمويل التدقيق الذي كان من الممكن أن يثبت ادعاءاتهم، كانوا قد قوضوا دعواهم بأنفسهم.
وخلصت المحكمة إلى القول: "من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه". لقد فشل الطاعنون في تقديم أي دليل موثوق لدعم مطالبتهم بالتعويض الذي يقدر بالملايين، واعتمدوا بدلاً من ذلك على ادعاءات لم تتمكن تقارير الخبرة من إثباتها. وبالتالي، كانت أحكام المحاكم الأدنى سليمة ومبنية على تطبيق صحيح لمبادئ القانون والأدلة المقدمة.
الحكم النهائي
قضت محكمة النقض برفض الطعن وتأييد أحكام المحاكم الأدنى درجة. وألزمت الطاعنين بتحمل كافة المصاريف القانونية، مع مصادرة تأمينهم الخاص بالطعن. وهكذا، لم تنتهِ القضية بمنح تعويض ضخم، بل بدرس قاسٍ حول الضرورة المطلقة لعبء الإثبات.