→ العودة للأرشيف
حكم نقض تجاريNovember 18th, 2024

1094 - 2024مخاطر الكفالة الصورية: معركة سيدة لإثبات أنها كانت مجرد واجهة تجارية

محكمة النقض أبوظبي - قلم المحكمة التجارية

مخاطر الكفالة الصورية: معركة سيدة لإثبات أنها كانت مجرد واجهة تجارية

في قضية تمثل درساً بليغاً حول المخاطر القانونية الجسيمة للترتيبات التجارية غير الرسمية، أصدرت محكمة النقض أبوظبي حكماً فاصلاً في نزاع حول الملكية الحقيقية لمؤسستين تجاريتين. تمحورت القضية حول سيدة وجدت نفسها مسؤولة قانونياً عن ديون ضخمة تراكمت على رجل أعمال ادعت أنه المستثمر الفعلي، وذلك بعد أن وافقت على تسجيل رخصتين تجاريتين باسمها. معركتها القضائية الطويلة لإثبات أنها كانت مجرد "كفيل اسمي" واسترداد خسائرها، سلطت الضوء في النهاية على اعتماد القضاء الراسخ على الوثائق الرسمية بدلاً من الاتفاقات الشفهية وشهادات الشهود.

بداية اتفاق كلفها الكثير

بدأت القصة في أغسطس 2015، عندما تواصل رجل أعمال مع السيدة وعرض عليها ترتيباً تجارياً. كان يرغب في تأسيس مؤسسة فردية ولكنه كان بحاجة إلى اسم مواطنة للحصول على الرخصة التجارية. عرض عليها مبلغاً مالياً مقابل استخدام اسمها، مؤكداً لها أنه سيتولى إدارة واستثمار المشروع بالكامل لحسابه الخاص. وبناءً على ثقتها بوعوده، وافقت. صدرت الرخصة التجارية باسمها، ولتسهيل سيطرته الكاملة على العمل، منحته وكالة خاصة شاملة.

تكرر هذا السيناريو في ديسمبر 2016 مع مؤسسة ثانية، حيث صدرت رخصة أخرى باسمها ومُنح الرجل وكالة خاصة مماثلة. مسلحاً بهذه المستندات القانونية، قام رجل الأعمال بفتح حسابات بنكية وإصدار دفاتر شيكات باسم المؤسستين. إلا أن إدارته أدت إلى ضائقة مالية، حيث أصدر العديد من الشيكات للدائنين دون وجود رصيد كافٍ، مما أدى إلى تراكم ديون كبيرة. وبما أن المؤسستين مسجلتان قانونياً باسم السيدة، فقد وجد الدائنون طريقهم لمقاضاتها لتحصيل ديونهم.

تحت وطأة المسؤولية القانونية

سرعان ما وجدت السيدة نفسها متورطة في إجراءات قضائية. صدرت ضدها أحكام قضائية بصفتها المالكة المسجلة، وبُدئت ضدها إجراءات تنفيذية. وفي مواجهة العواقب الوخيمة لعدم السداد، بما في ذلك إمكانية الحبس، اضطرت إلى تسوية الديون بنفسها. قامت بسداد مبلغ إجمالي قدره 246,500 درهم من أموالها الخاصة لتصفية الالتزامات التي تسبب بها الرجل. بالإضافة إلى هذه الخسارة المالية، ادعت أنها عانت من أضرار مادية ومعنوية كبيرة، وطالبت بتعويض قدره 50,000 درهم.

سعياً منها لتحقيق العدالة، أقامت دعوى أمام محكمة أبوظبي الابتدائية. كانت مطالبها واضحة: الحكم بإثبات أن رجل الأعمال هو المالك الحقيقي للمؤسستين، وأنها مجرد كفيل صوري، وإلزامه بأن يرد لها مبلغ 246,500 درهم الذي دفعته، بالإضافة إلى تعويض قدره 50,000 درهم وفائدة تأخيرية بنسبة 12%.

معركة الإثبات: المستندات الرسمية في مواجهة الواقع

رفضت محكمة أول درجة دعواها. لم تستسلم، فاستأنفت الحكم. عينت محكمة الاستئناف خبيراً لبحث الموضوع. وجاء تقرير الخبير، الذي استند إلى أقوال الشهود، لصالحها، حيث خلص إلى أن رجل الأعمال هو المالك الفعلي وأنها مجرد كفيل صوري. ورغم هذه الأدلة التي بدت حاسمة، أيدت محكمة الاستئناف الحكم الابتدائي، مرجحةً بذلك حجية السجلات الرسمية.

في طعنها الأخير أمام محكمة النقض، دفعت السيدة بأن المحاكم الأدنى درجة قد أخطأت في تطبيق القانون عندما ركزت بشكل صارم على الرخص التجارية. قدمت مجموعة من الأدلة لإثبات صورية ملكيتها: الوكالات التي منحتها له، الأحكام الجزائية الصادرة ضده بسبب الشيكات المرتجعة، ورسائل واتساب يُزعم أنه أقر فيها بالديون وتعهد بسدادها. والأهم من ذلك، أشارت إلى اتفاقية تسوية في إحدى قضايا التنفيذ قام فيها رجل الأعمال بكفالة الدين شخصياً لوقف الإجراءات ضدها. وأكدت أن صدور الأحكام ضدها أمر طبيعي كونها المالكة المسجلة، لكن هذا لا يعكس حقيقة من كان يدير العمل فعلياً.

كلمة الفصل من محكمة النقض

حللت محكمة النقض بدقة المبادئ القانونية التي تحكم مثل هذه القضايا. وأكدت المحكمة أنه على الرغم من أن العقد المستتر يكون ملزماً بين طرفيه، فإن إثبات وجوده في مواجهة عقد ظاهر وموثق يتطلب دليلاً كتابياً قوياً. وأقرت المحكمة بأن الرخصتين التجاريتين الصادرتين عن دائرة التنمية الاقتصادية تخلقان قرينة قانونية قوية على أن السيدة هي المالكة، مما يجعل المؤسستين جزءاً من ذمتها المالية.

ورأت المحكمة أن تصرفات السيدة نفسها قد عززت هذه القرينة. فمن خلال إصدارها للوكالات بصفتها "المالكة"، كانت قانونياً تعين الرجل وكيلاً عنها، لا تتنازل له عن الملكية. وخلصت المحكمة إلى أن الأدلة التي قدمتها لم تكن كافية لدحض قوة المستندات الرسمية. تم استبعاد تقرير الخبير لأن اعتماده على شهادة الشهود لا يمكنه قانونياً أن يتغلب على الأدلة الكتابية الواضحة المتمثلة في الرخص والأحكام القضائية السابقة ضدها واتفاقيات التسوية التي أبرمتها بنفسها بصفتها المالكة. كما أن كفالته الشخصية لأحد الديون لم تُعتبر دليلاً قاطعاً على ملكيته الكاملة للمؤسسة، بل مجرد تعهد محدد.

الحكم النهائي

خلصت محكمة النقض إلى أن أحكام المحاكم الأدنى درجة كانت قائمة على أساس قانوني سليم. لقد فشلت السيدة في تقديم الإثبات الكتابي اللازم لوجود "اتفاق مستتر" من شأنه أن يبطل سجلات الملكية الرسمية. وبناءً على ذلك، قضت المحكمة برفض طعنها، وتأييد الأحكام السابقة، وإلزامها بكافة المصاريف القانونية، مع مصادرة التأمين الذي أودعته. ويعد هذا الحكم تذكيراً صارخاً بأن المستندات الرسمية لها الأسبقية في نظر القانون، وأن ترتيبات الكفالة الصورية تنطوي على مخاطر مالية عميقة يصعب تداركها.

ID: f74cf92f...